بحسب الطاقة ، ولكن من العبادة ما لا يهتدى إليه الإنسان إلا بهداية إلهية ، وأكبر ذلك النوع إقامة الصلاة . لإصلاح نفوس الأفراد ، وإيتاء الزكاة لاصلاح شؤون الاجتماع . لذلك قال تعالى بعد ما تقدم
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
وإنما إقامة الصلاة بالاخلاص للّه والصدق في التوجه اليه والخشوع لعظمته وجلاله والاستكانة لعز سلطانه ، ولا تكون بمجرد الاتيان بصورة الصلاة ورسومها الظاهرة ، ولو كان هذا هو المراد لما وصفهم بالتولى والاعراض عنه ، فإنهم ما أعرضوا عن صورة الصلاة إلى ذلك اليوم الذي ذكرهم فيه بهذه الآيات وإلى هذا اليوم أيضا . وأما الزكاة فقد كان بعض أحبارهم يزعم أنها تلك المحرقات والقرابين المفروضة لتكفير الخطايا أو شكر اللّه تعالى على إخراجهم من مصر وغير ذلك من النعم . وليس الأمر كذلك ، فان لهم زكوات مالية ، منها مال مخصوص يؤدى لآل هارون وهو إلى الآن في اللاوين . ومنها مال للمساكين . ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض . ومنها سبت الأرض ، وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع ، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة .
قال تعالى
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
أي ثم كان من أمركم بعد هذا الميثاق الذي فيه سعادتكم أن توليتم عن العمل به وأنتم في حالة الاعراض عنه وعدم الا كتراث له . وقد يتولى الانسان منصرفا عن شئ وهو عازم على أن يعود إليه ويوفبه حقه ، فليس كل متول عن شئ معرضا عنه ومهملا له على الدوام ، لذلك كان ذكر هذا القيد
( وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ )
لازما لا بد منه وليس تكرارا كما يتوهم ، وإنما هو متمم للمعنى ومؤكد للمبالغة في الترك المستفاد من التولي قال الأستاذ الامام : ولا حاجة إلى ما زاده المفسر من قوله : فقبلتم ذلك : ليعطف عليه
( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ )
فالمقام مقام وعيد وزجر وتوبيخ ، وفي كلمة ( ثم ) نفسها ما يفيد أن التولي لم يكن عقب أخذ الميثاق .
وقد كان سبب ذلك التولي مع الاعراض أن اللّه أمرهم أن لا يأخذوا الدين إلا من كتابه . فاتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه ، يحلون برأيهم ويحرمون .
« تفسير القرآن الحكيم » « 24 » « الجزء الأول »