نهاية البر فيدخل فيه جميع ما يجب من الرعاية والعناية ، وقد أكد اللّه الأمر بإكرام الوالدين في التوراة حتى أنه يوجد فيها الآن أن من يسب والديه يقتل . وقد قرن الأمر بالإحسان بالوالدين إلى الأمر بالتوحيد أو النهى عن الشرك فهو كقوله تعالى
( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
وليست هذه العناية بأمر الوالدين في الكتب السماوية لكونهما سبب وجود الولد كما يقول الناس فإنه لا منة لهما على الولد بهذه السببية لأنها لم تكن إكراما له ولا عناية به ، كيف وهو لم يكن معروفا أو موجودا فيكرم ، وإنما كانت بباعث الشهوة وإرضاء النفس ، ومنهم من لم يكن يخطر بباله الولد إلا بعد الزواج بزمن طويل ، ومنهم من كان يود أن لا يولد له ، أو أن يكون له ولد واحد أو ولدان فقط ، فيكون له أكثر . فإذا كان وجوب الإحسان بالوالدين معلولا لإرادتهما الولد فينبغي أن يخص هذا الإحسان بولد لم يكن لهما من الزوجية حظ سواه بعينه ، وهو ما لا وجود له . ذلك كلام شعري والعلة الصحيحة في وجوب هذا الإحسان على الولد هي العناية الصادقة التي بذلاها في تربيته والقيام بشؤونه أيام كان ضعيفا عاجزا جاهلا لا يملك لنفسه نفعا ، ولا يقدر أن يدفع عنها ضررا ، إذ كانا يحوطانه بالعناية والرعاية ، ويكفلانه حتى يقدر على الاستقلال والقيام بشأن نفسه ، فهذا هو الإحسان الذي يكون منهما عن علم واختيار ، بل مع الشغف الصحيح والحنان العظيم وما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وإذا وجب على الإنسان أن يشكر لكل من يساعده على أمر عسير فضله ، ويكافئه بما يليق به على حسب الحال في المساعد وما كانت به المساعدة ، فكيف لا يجب أن يكون الشكر للوالدين بعد الشكر للّه تعالى وهما اللذان كانا يسعدانه على كل شئ ، أيام كان يتعذر عليه كل شئ ؟ ؟
وكذلك حب الوالدين للولد ليست علته كما يقول الناس كونه جزءا منهما وفلذة كبدهما ، هذا كلام شعري لا حقيقي أيضا ، فان جسم الإنسان مركب من الأغذية النباتية والحيوانية ، فلو كانت العلة صحيحة لكان ينبغي أن يحب الحنطة والغنم أكثر مما يحب والديه . وإنما لحب الوالدين الولد منبعان ( أحدهما ) حنان فطرى أودعه اللّه تعالى فيهما لإتمام حكمته ( وثانيهما ) ما جرت به سنة البشر من