كفر النعم من النقم . ولم يذكر فيما سبق من الاحكام العملية إلا ما جاء على سبيل التبع لهذه الأصول . وفي هذه الآية وما بعدها التذكير بأمهات الاحكام في العبادات والمعاملات وما كان من إهمالها وترك العمل بها . هذا هو المراد أولا وبالذات على أن فيما يأتي إعادة الإشارة إلى بعض ما مضى قضى بها ما كان عليه اليهود من سوء الفهم وغلظ القلوب وكثرة المشاغبات والمماراة فالخطاب معهم دائما في باب الاطناب
قال الأستاذ الامام : لاحظ بعض البلغاء والمفسرين أن القرآن يطنب ويبدىء ويعيد في خطاب اليهود خاصة وذلك لما كانت شحنت به أذهانهم مما يسمى علما أو فقها فأبعدهم عن أن يصل شعاع الحق إلى ما وراء ذلك من نفوسهم ، ويكتفى بالايجاز بل بالإشارة الدقيقة في خطاب العرب لما كانوا عليه من سرعة الفهم ورقة الاحساس لقربهم من السذاجة الفطرية ، فالإشارة إلى البرهان في ضمن تمثيل ، يغنى عندهم عن الاسهاب والتطويل ، ولذلك خاطبهم بمثل قوله في الأصنام ( وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب )
قوله تعالى
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
أي واذكر أيها الرسول إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق عليهم في سياق خطابهم ولم يبينه لعلمهم به وقوله هنا
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
الخ بيان له أي للميثاق لا مقول قول محذوف كما قال المفسر . يقال : أخذت عليك عهدا تفعل كذا : كما تقول :
أن تفعل كذا : سواء . وهو خبر بمعنى النهى للمبالغة والتأكيد ، يلاحظ فيه أن الأمر والنهى قد امتثل فيخبر بوقوعه ، أو إنه لتوثيقه والتشديد في تأكيده سيمتثل حتما فيخبر بأنه كائن لا محالة . ( أقول ) وهذا النهى عن عبادة غير اللّه مستلزم للأمر بعبادته تعالى ولم يصرح به لأنهم كانوا يعبدون اللّه وإنما يخشى عليهم الشرك به كما وقع منهم في بعض الأجيال ومن غيرهم من الشعوب ، فالأصل الأول لدين اللّه على ألسنة جميع رسله هو أن يعبد اللّه وحده ولا يشرك به عبادة أحد سواه من ملك ولا بشر ولا ما دونهما بدعاء ولا بغيره من أنواع العبادة كما قال
( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً )
فالتوحيد لا يحصل إلا بالجمع بين الأمرين
قال تعالى
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
أي وتحسنون بالوالدين إحسانا . والاحسان