بأموره الدينية والدنيوية ، فان الأم إن وجدت تكون في الأغلب عاجزة ولا سيما إذا تزوجت بعد أبيه فأراد اللّه تعالى - وهو أرحم الراحمين - بما أكد من الوصية بالأيتام أن يكونوا من الناس بمنزلة أبنائهم يربونهم تربية دينية دنيوية لئلا يفسدوا ويفسد بهم غيرهم فينتشر الفساد في الأمة فتنحل انحلالا . فالعناية بتربية اليتامى هي الذريعة لمنع كونهم قدوة سيئة لسائر الأولاد . والتربية لا تتيسر مع وجود هذه القدوة ، فاهمال اليتامى إهمال لسائر أولاد الأمة .
وأما المساكين فلا يراد بهم هؤلاء السائلون الشحاذون الملحفون الذين يقدرون على كسب ما يفي بحاجاتهم أو يجدون ما ينفقون ولو لم يكتسبوا إلا أنهم اتخذوا السؤال حرفة يبتغون بها الثروة من حيث لا يعملون عملا ينفع الناس ، ولكن المسكين من يعجز عن كسب يكفيه
وأما قوله عز وجل
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
فهو كلام جديد له شأن مخصوص ولذلك تغير فيه الأسلوب فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق فإنه بين فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالاحسان ويستحيل أن يحسن الانسان بالفعل إلى جميع الناس لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس ، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقار به الذين ينشأ فيهم ويتربي بينهم فجاء النص بوجوب الاحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت . ثم إن اليتامى والمساكين من قومه هم الذين لا يستغنون عن إحسانه وإحسان أمثاله بالفعل ، لأنه لا قيم للأولين ، ولا غناء عند الآخرين ففرض عليه أن يجعل لهم حظا منه . ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم بقي بيان حقوق سائر الأمة وهي النصيحة لهم ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيهم ، فهذا هو معني قوله تعالى
( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً )
وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب ؛ فالحسن هو النافع في الدين أو الدنيا ؛ وهو لا يخرج عما ذكرنا ، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلا بذاته جاء بأسلوب آخر ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها
جاء الأمر بالعبادة مجملا ليعلم الانسان أنه مكلف بكل فرد من أفرادها