وقال الأستاذ : للسيئة هنا اطلاقها وخصها مفسرنا ( الجلال ) وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
معنى فان الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان . ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها . يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات ، وسجين الموبقات ، ورهين الظلمات ؟ وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب ، والتمادي على الاصرار ، قال تعالى
( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ )
أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة « يكسبون » معنى الاسترسال والاستمرار ، وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه . ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحا وإقلاعا صحيحا لا تحيط به الخطايا ولا ترين على قلبه السيئات . روى أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر اللّه تعالى في القرآن
( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ )
لمثل هذا كان السلف يقولون : المعاصي يريد الكفر
قوله
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
خبر
( مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ )
أي هم أصحاب دار العذاب في الآخرة الأحقاء بها دون من لم يصل إلى درجتهم في الدنيا وهو من في قلبه شئ من نور الإيمان وتوحيد اللّه تعالى وما يتبعه من الخير
قال الأستاذ الإمام : ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وان استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته . أولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة : إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ، وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة ، والقرآن فوق