خفيّة وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها . لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب . وأقول : قد جرى على هذا الأسلوب كتاب القصص المخترعة والأساطير التي يسمونها الروايات في هذا العصر
يقول أهل الشبهات في القرآن : إن بني إسرائيل لا يعرفون هذه القصة إذ لا وجود لها في التوراة فمن أين جاء بها القرآن ؟ ونقول : إن القرآن جاء بها من عند اللّه الذي يقول في بني إسرائيل المتأخرين : إنهم نسوا حظا مما ذكروا به وأنهم لم يؤتوا إلا نصيبا من الكتاب . على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في واد دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي ، ثم يقولون إن أيدينا لم تسفك هذا الدم . اغفر لشعبك إسرائيل :
ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل ، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل ، ويراد بذلك حقن الدماء فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه . وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن ، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره اللّه تعالى .
( قال الأستاذ ) وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين .
فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشئ من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم ، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها ، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته
( وأقول ) إن ما أشار إليه الأستاذ من حكم التوراة المتعلق بقتل البقرة هو في أول الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنية الاشتراع ونصه :
( 1 ) إذا وجد قتيل في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يعلم من قتله
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 347
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص٣٤٧