تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك يزيد في شناعة حالهم ، ويصرح بأنهم لم يكونوا مخطئين في الفهم ، ولا متأولين للحكم ، بل ارتكبوا هذا الجرم العظيم عامدين ، وهم يعلمون أنهم بارتكابه مخالفون لما شرع اللّه تعالى لهم في كتاب دينهم
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
قال الأستاذ : ذلك الذل وتلك الخلافة بالغضب إنما لزماهم لأنهم عصوا اللّه فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام ، ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها اللّه لهم في شرائع أنبيائهم ، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة لأنها كانت الكافلة بنظامهم ، الحافظة لبناء جماعتهم ، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم ، وانهدم بناؤهم ، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم ، إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة ، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته ، ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع . والمتبادر وعده الأستاذ احتمالا أن ترجع الإشارة في ( ذلك ) إلى الثاني أي الكفر بآيات اللّه وقتل النبيين . أي إن كفرهم وجراءتهم على النبيين بالقتل إنما منشؤهما عصيانهم واعتداؤهم حدود دينهم ، لأن الذي يدين بدين أو شريعة أيا كانت يتهيب لأول الأمر مخالفتها ، فإذا خالفها لأول مرة تركت المخالفة أثرا في نفسه ، وضعفت هيبة الشريعة في نظره ، فإذا عاد زاد ضعف سلطة الشريعة على إرادته ، ولا يزال كذلك حتى تصير المخالفة طبعا ورينا ، وينسى ما قام على الشريعة من دليل وما كان لها من سيطرة ، ويضرى بالعدوان ، كما يضرى الحيوان بالافتراس وكل عمل يسترسل فيه العامل تقوى ملكته فيه خصوصا ما اتبع فيه الهوى . * * * ( 62 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ .
* * * أحاط القضاء في الآية السابقة باليهود فلم يدع منهم حاضرا ولا غائبا فألزم