تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها
ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق غضب اللّه تعالى عقب مقالهم هذا والذي يقع عليه الفهم من الآية أن النزق قد استولى على طباعهم وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم اللّه له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه . ومع كثرة ما شاهدوا من آيات اللّه القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم ، بل كانوا على ريب منه ، وكانوا يظنون أن موسى عليه السّلام خدعهم بإخراجهم من مصر وجاء بهم في البرية ليهلكهم ، فلذلك دأبوا على اعناته والاكثار من الطلب فيما يستطاع ومالا يستطاع حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة ، فما ذكره اللّه عنهم في هذه الآية على حد قولهم
( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً )
ويرشد إلى ما فيه من الاعنات قولهم : لن نصبر على طعام واحد . فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأتي لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده فكأنهم قالوا . اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد فان كانت لك منزلة عند اللّه كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن معه أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا - وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة ، وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام ، ولكنه نزق وبطر كما بينا وطلب للخلاص مما يخشون على أنفسهم . ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم . ووصفوا الطعام بالواحد مع أنه نوعان - المن والسلوى - لأنهما طعام كل يوم ، والعرب تقول لمن يأكل كل يوم عدة ألوان لا تتغير : إنه يأكل من طعام واحد . كأنهم ينظرون إلى أن مجموع الألوان هي غذاؤه الذي لا يتغير فهي غذاء واحد فإذا تغيرت الألوان تغير نوع الغذاء فكان طعاما متعددا والبقل من النبات ما ليس بشجر دقّ ولا جل كما ذكره ابن سيده . وقال أبو حنيفة ما ينبت في بزرة ولا ينبت في أرومة ثابتة . وفرق ما بين البقل ودق الشجر أن البقل إذا رعى لم يبق له ساق ، والشجر تبقى له سوق وإن دقت .
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 330 | الشيخ محمد رشيد رضا