أعزاء ، يختالون في مشيتهم من الكبرياء ، ويباهون بما لهم من سلف وآباء ، وربما فاخروا من لا يخشون سطوته من الكبراء .
وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا
ولكن متى شعر الذليل بنية من نفس القاهر أو طاف بذهنه خيال يد تمتد إليه استخذى واستكان ، وظهر السكون على بدنه ، واشتمل الخشوع على قوله وفعله ، وهذا الأثر الذي يسطع من النفس على البدن هو الذي يسمى المسكنة .
وإنما سمى الفقر مسكنة لأن العائل المحتاج تضعف حركته ويذهب نشاطه فهو بعدم ما يسد عوزه كأنه يقرب من عالم الجماد ، فلا تظهر فيه حاجة الاحياء فيسكن والمشاهدة ترشدنا إلى تحقيق ما عليه أهل المسكنة في أوضاع أعضائهم ، وما يبدوا على وجوههم ، وما طبع في أقوالهم وأعمالهم . فضرب الذلة والمسكنة على اليهود هو جعل الذل وضعف العزيمة محيطين بهم كما تحيط القبة المضروبة بمن فيها . أو الصاقهما بطباعهم كما تطبع الطغرى على السكة
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
أي رجعوا به كما يقال رجع أو عاد بصفقة المغبون - إذا كان ذلك آخر شوطه ومنتهى سعيه .
وكذلك كان آخر أطوار اليهود في بغيهم أيام ملكهم . والمراد به فقد الملك وما يتبعه . وقال شيخنا استحقوا غضبه ومن استحقه فقد أصابه ، فقد غضب اللّه عليهم ، وتنكير الغضب دلالة على أنه نوع عظيم من سخطه جل شأنه
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
( أقول ) أي ذلك العقاب بضرب الذلة والمسكنة وبالغضب الإلهى بسبب ما جروا عليه من الكفر بآيات اللّه الخ فإنهم بإخراجهم لموسى عليه السّلام وإعناتهم له في المطالب ، مع كثرة ما شاهدوا من العجائب ، وما أظهر اللّه لهم من الغرائب ، قد دلوا على أن لا أثر للآيات في نفوسهم ، فهم بها كافرون في الحقيقة . ونسيان الآيات وعدها كأن لم تكن يعده الكتاب العزيز كفرا كما قال شيخنا
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
مع أن الكتاب يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلا عنهم إلا بحقه المبين فيه ، كل ذلك ذل فيهم على طباع بعيدة عن الكرم ، وقلوب غلف دون الفهم ، ومن كان هذا شأنه فالأجدر به أن يكون ذليلا مقهورا ، ثم هو مهبط غضب اللّه ومحط نقمه ، لأنه أشد الناس كفرا لنعمه ، وقوله
( بِغَيْرِ الْحَقِّ )
مع