تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
وأرادوا من البقل ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر كالكرفس والنعناع ونحوهما مما يغرى بالقضم ، ويعين على الهضم ، والقثاء هي أخت الخيار تسميها العامة « القتة » والعدس والبصل معروفان ، والفوم هو الحنطة . وقال الكسائي وجماعة : هو الثوم أبدلت الثاء فاء كما في جدث وجدف . وطلبهم للحنطة هو طلبهم للخبز الذي يصنع منها ( قال ) موسى عليه السّلام تقريعا لهم على أشرهم وإنكارا لتبرمهم
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؟
أي أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن والسلوى ؟ والمن فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية والسلوى من أطيب لحوم الطير وفي مجموعها غذاء تقوم به البنية وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة وتغذية . أقول : والأدنى في اللغة الأقرب ، واستعير للأخس والأدون كما استعير البعد للرفعة . والاستبدال طلب شئ بدلا من آخر ، والباء تدخل المبدل منه المراد تركه . ثم قال
اهْبِطُوا مِصْراً
من الأمصار
فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
أي فإنكم إن هبطتموه ونزلتموه وجدتم فيه ما سألتم . أما هذه الأرض التي قضى اللّه أن تقيموا فيها إلى أجل محدود فليس من شأنها أن تنبت هذه البقول وإن اللّه جل شأنه لم يقض عليكم بالتيه في هذه البرية إلا لجبنكم وضعف عزائمكم عن مغالبة من دونكم من أهل الأمصار ، فلو صح ما تزعمون من كراهتكم للطعام الواحد فأنتم الذين قضيتم به على أنفسكم بما فرط منكم . فان أردتم الخلاص مما كرهتم فأقدموا على محاربة من يليكم من سكان الأرض الموعودة ، فان اللّه كافل لكم النصر عليهم ، وعند ذلك تجدون طلبتكم فالتمسوا الخير في أنفسكم وفي أفعالكم فان اللّه لا يضيع أجر العاملين . قال تعالى
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
الذلة والذل خلق خبيث من أخلاق نفس الإنسان يضاد الإباء والعزة ، وأصل المادة فيه معنى اللين . فالذل بالكسر اللين وبالضم والكسر ضد الصعوبة ، وإذا تتبعت المادة وجدتها لا تخلو من هذا المعني . صاحب هذا الخلق لين ينفعل لكل فاعل ، ولا يأبى ضيم ضائم . غير أن هذا الخلق الذي يهون على النفس قبول كل شئ لا يظهر أثره غالبا على البدن وفي القول إلا عند الاستدلال والقهر ، وكثيرا ما ترى الأذلاء تحسبهم