تكلم الأستاذ الامام في التوبة وقال : إنها محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب ، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال ، وكون مصيره إليه في المآل ، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالا مما فعل وندما على صدروه عنه ، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب ، وما رتبه اللّه عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة . هذا أثر التوبة في النفس ، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السىء ( 11 : 114
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ )
فمن علامة التوبة النصوح : الإتيان بأعمال تشق على النفس وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب . وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع اللّه تعالى أو مع الناس . ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهى به أن يجئ معترفا بالذنب معتذرا عنه ؟ وهذا ذل يشق على النفس لا محالة ، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب ، وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم وقد قال
( فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ )
لينبههم إلى أن الاله الحقيقي هو الخالق البارىء ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم . ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم . والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم :
دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب ، فأجابه بنو لاوى فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا ففعلوا ، وقتل في ذلك اليوم « نحو ثلاثة آلاف » وقال مفسرنا ( الجلال ) كغيره إن الذين قتلوا سبعون ألفا والقرآن لم يعين العدد ، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه . كذا قال الأستاذ الامام ، وهذا مذهبه في جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعي لا يتعداه ، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه
قال تعالى
ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ
لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة