الكرامة في نفوس الموعوظين لتستعد بذلك لقبول الموعظة [ وتجد من ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة التي هي من خصائص النفوس الكريمة على عوامل الهوى والشهوة ، فإن النفس إذا استشعرت كرامتها وعلوها ونظرت إلى ما في الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور - شعور العلو والرفعة - أن تنحط إلى تعاطى تلك الخسائس ، وكان ذلك من أقوى الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده من نفس من يوجه إليه وعظه ، ثم إن في الوعظ مسا يؤلم نفس الموعوظ وجرحا يكاد يحملها على النفرة من تلقينه والاستنكاف من سماعه ، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة المخاطب ورفعة شأنه ، وإباء ما ينمى إليه من الشرف أن يدوم على مثل ما يقترف يقبل بالنفس على القبول كما يقبل الجريح على من يضمد جراحه ويسكن آلامه ]
ألا وإن هذا الشعور شعور الشرف والرفعة ملازم للانسان لا يفارقه ولكنه قد يضعف حتى لا يظهر له أثر ، وفي تحريك الواعظ له اعتراف ضمني بكرامة وفضل للموعوظ يشفعان له بما يستلزمه الوعظ من مظنة الإهانة فيسهل احتماله ويقرب قبوله
شعور العزة والكرامة أمر شريف يحييه الإيمان في نفوس المؤمنين الصادقين بل يستلزمه على وجه أكمل لأن صاحب الايمان الصحيح يرى أن له نسبة إلى الرب العظيم خالق السماوات والأرض ، وأنه سنده وممده ، وعند ذلك تعلو نفسه وترتفع كما قيل :
قوم يخالجهم زهو بسيدهم * والعبد يزهو على مقدار مولاه
من كان يشعر لنفسه بقيمة أو يجد لها حقا في أن تعز وتكرم تراه إذا خلا بنفسه وتذكر أنه ألم بنقيصة يتألم ويتململ ويستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم . وإذا تذكر المؤمن أن قلبه الذي تشرف بمعرفة اللّه تعالى [ وأن شرف تلك المعرفة خلصه من العبودية لغيره وصيره مربوبا لرب العالمين وحده فهو في ذلك مع أرفع رفيع وأكرم كريم سواء - إذا ذكر ذلك لم ير من اللائق بمثل هذا الاختصاص أن يجاوره ما يدنسه من الاستعباد لما يذله ، بل يرى أن ذلك الشعور الطاهر والعرفان الهادي إلى مقامات الكرامة لا ينبغي أن يزاحمه في موطنه من القلب دنس من رجس الرذائل ] فينفر من هذه المزاحمة وتثقل عليه ويسهل عليه التزكى مما ألم به والإنابة إلى اللّه تعالى ( قال ) لهذا بدأ اللّه تعالى تذكير بني إسرائيل بما بدأ وثنى بما ثنى ،