لا يجتمعان ، والعلم والدين خصمان لا يتفقان ، وأن جميع ما يستنتجه العقل خارجا عن نص الكتاب فهو باطل .
ولذلك جاء القرآن يلحّ أشد الإلحاح بالنظر العقلي ، والتفكر والتدبر والتذكر ، فلا تقرأ منه قليلا إلا وتراه يعرض عليك الأكوان ويأمرك بالنظر فيها واستخراج أسرارها ، واستجلاء حكم اتفاقها واختلافها ( 10 : 101
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
29 : 19
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ
22 : 46
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
88 : 17
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ )
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدا . وإكثار القرآن من شئ دليل على تعظيم شأنه ووجوب الاهتمام به ، ومن فوائد الحث على النظر في الخليقة للوقوف على أسرارها بقدر الطاقة ، واستخراج علومها لترقية النوع الإنسانى الذي خلقت هي لأجله - مقاومة تلك التقاليد الفاسدة التي كان عليها أهل الكتاب فأودت بهم وحرمتهم من الانتفاع بما أمر اللّه الناس أن ينتفعوا به .
كانت أوروبا المسيحية في غمرة من الجهل ، وظلمات من الفتن ، تسيل الدماء فيها أنهارا لأجل الدين ، وباسم الدين وللاكراه على الدين ، ثم فاض طوفان تعصبها على المشرق ورجعت بعد الحروب الصليبية تحمل قبسا من دين الإسلام وعلوم أهله ، فظهر فيهم بعد ذلك قوم قالوا إن لنا الحق في أن نتفكر ، وأن نعلم وأن نستدل ، فحاربهم الدين ورجاله حربا عوانا انتهت بظفر العلم ورجاله بالدين ورجاله ، وبعد غسل الدماء المسفوكة قام منذ مائتي سنة إلى اليوم رجال منهم يسمون هذه المدنية القائمة على دعائم العلم : المدنية المسيحية ، ويقولون بوجوب محق سائر الأديان ومحوها بعد انهزامها من امام الدين المسيحي لأنها لا تتفق مع العلم وفي مقدمتها الدين الإسلامي ، وحجتهم على ذلك حال المسلمين ، نعم إن المسلمين أمسوا وراء الأمم كلها في العلم حتى سقطوا في جاهلية أشد جهلا من الجاهلية الأولى ، فجهلوا الأرض التي هم عليها ، وضعفوا عن استخراج منافعها ، فجاء الأجنبي يتخطفها من بين أيديهم وهم ينظرون ؛ وكتابهم قائم على صراطه يصيح بهم
( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ