تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
يصور لنا قوله تعالى
( خَلَقَ لَكُمْ )
قدرته الكاملة ، ونعمه الشاملة ، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق ؟ وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئا لنا ، ومعدا لمنافعنا ؟ وللانتفاع بالأرض طريقان ( أحدهما ) الانتفاع بأعيانها في الحياة الجسدية ( وثانيهما ) النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية ، والأرض هي ما في الجهة السفلى ، أي ما تحت أرجلنا ، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا وإننا ننتفع بكل ما في الأرض برها وبحرها من حيوان ونبات وجماد ، ومالا تصل إليه أيدينا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعة وحكمته . والتعبير بفى يتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح ( وأقول هنا ) إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء « ان الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة » والمراد إباحة الانتفاع بها أكلا وشربا ولباسا وتداويا وركوبا وزينة ، وبهذا التفصيل تدخل الأشياء التي يضر استعمالها في بعض الأشياء وينفع في بعض ، كالسموم التي يضر أكلها وشربها وينفع التداوي بها ، وليس لمخلوق حق في تحريم شئ أباحه الرب لعباده تدينا به إلا بوحيه وإذنه
( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ) ؟ .
وما يحظره الطبيب على المريض من طعام حلال في نفسه وما يمنع الحاكم العادل الناس من التصرف فيه من المباحات لدفع مفسدة أو رعاية مصلحة - فليس من التحريم الديني للشئ ولا يكون دائما ، وإنما يتبعان في ذلك كما يأمران به بحق وعدل ما دامت علته قائمة قال تعالى
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
يقال استوى إلى الشئ إذا قصد إليه قصدا مستويا خاصا به لا يلوى على غيره . وقال الراغب إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشئ إما بالذات وإما بالتدبير ، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال في سورة فصلت
( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ )
الخ
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية فجعلهن سبع سماوات تامات منتظمات الخلق . وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفا عند اليهود عن سيدنا موسى عليه السّلام من أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا ، ثم