تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وتخطئة ما يخالفه ، أو طول ممارسة الرد عليهم ، ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخى الاسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما اللّه تعالى ، وإنني أفول عن نفسي : إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلا إلا بممارسة هذه الكتب . فنحن قد سمعنا بآذاننا شبهات على بعض الآيات والأحاديث لم يسهل علينا دفعها واقناع أصحابها بصدق كلام اللّه وكلام رسوله الا بضرب من التأويل وأمثال تقربها من عقولهم ومعلوماتهم أحسن التقريب ، وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف وفي معاني التفويض والتأويل وتجد تفصيل ذلك لنا في أوائل تفسير سورة آل عمران كما أخطأ من قالوا إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد اليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقا والحق كما قال شيخ الاسلام ابن تيمية ، إن كلا من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي ، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما على الآخر ، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقا ، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منها رجحنا المنقول على المعقول لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام اللّه ورسوله أولى بالاتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جدا ، فظواهر الآيات في خلق آدم مثلا مقدم في الاعتقاد على النظريات المخالفة لها من أقوال الباحثين في أسرار الخلق وتعليل أطواره ونظامه ما دامت ظنية لم تبلغ درجة القطع وينبغي أن تعلم أيها القارى المؤمن أن من الخير لك أن تطمئن قلبا بمذهب السلف ولا تحفل بغيره ، فإن لم يطمئن قلبك إلا بتأويل يرضاه أسلوب اللغة العربية فلا حرج عليك ، فان اللّه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وأئمة علماء السلف قد تأولوا بعد الظواهر كما فعل الإمام أحمد وغيره في آيات المعية . وآخرون في غيرها ، والذي عليك قبل كل شئ أن توقن بأن كلام اللّه كله حق ، وألا تؤوّل شيئا منه بسوء القصد . وكذا ما صح عن رسوله ( ص ) من أمر الدين بغير شبهة . والتفسير الموافق للغة العرب لا يسمى تأويلا وإنما يجب معه تنزيه الخالق وعدم تشبيه عالم الغيب بعالم الشهادة من كل وجه .