كقوله
( يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ )
وهو من قولهم دحا المطر الحصى الخ ، ولكن فرقا بين دحو الأرض ودحرجتها من مكانها عند التكوين ، ورجفها قبيل خرابها عند قيام الساعة ، وقد يكون المراد به - واللّه أعلم - أنه دحاها عندما فتقها هي والسماوات من المادة الدخانية التي كانت رتقا وفيه دلالة أو إشارة - على الأقل - إلى أنها كرة أو كالكرة في الاستدارة ، ولا يبعد أن يكون المراد بدحوها ودحرجتها حركتها بقدرته تعالى في فلكها
( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )
وهذا لا ينافي ما قيل من أن معناه بسطها أي وسعها ومد فيها ؛ وأنه سطحها أي جعل لها سطحا واسعا يعيش عليه الناس وغيرهم ، فمن جعل مسألة كرويتها وسطحها أمرين متعارضين يقول بكل منهما قوم يطعنون في الآخرين فقد ضيقوا من اللغة والدين واسعا بقلة بضاعتهم فيهما معا .
وحاصل القول أن اللّه تعالى خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج وما أشهدنا خلقهن ، وإنما ذكر لنا ما ذكره للاستدلال على قدرته وحكمته وللامتنان علينا بنعمته ، لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب ، لأن هذا ليس من مقاصد الدين ، فابتداء الخلق غير معروف ولا ترتيبه إلا أن تسوية السماء سبع سماوات يظهر أنه كان بعد تكوين الأرض ، ويظهر أن السماء كانت موجودة إلا أنها لم تكن سبعا ، ولذلك ذكر الاستواء إليها وقال
( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ )
فنؤمن بأنه فعل ذلك لحكم يعلمها ، وقد عرض علينا ذلك لنتدبر ونتفكر ، فمن أراد أن يزداد علما فليطلبه من البحث في الكون . [ وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل ، وما اكتشف المكتشفون من شؤونه وليأخذ من ذلك بما قام عليه الدليل الصحيح لا بما يتخرص به المتخرصون ، ويخترعونه من الأوهام والظنون ] وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له .
هذه الإباحة للنظر والبحث في الكون بل هذا الإرشاد إليها بالصيغ التي تبعث الهمم وتشوق النفوس ككون كل ما في الأرض مخلوقا لنا محبوسا على منافعنا هو مما امتاز به الاسلام في ترقية الإنسان ، فقد خاطبنا القرآن بهذا على حين أن أهل الكتاب كانوا متفقين في تقاليدهم وسيرتهم العملية على أن العقل والدين ضدان