تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد ، والواجب ملاحظته في هذا المقام : هو تصور قدرة اللّه تعالى وعظمته ، وسعة فضله ورحمته ثم بعد أن امتن بنعمة الايجاد ، ونعمة الفراش والمهاد ، ونعمة السماء ، التي هي كالبناء ، ذكر نعمة الامداد ، الذي تحفظ به هذه الأجساد ، وهي مادة الغذاء ، التي بها النمو والبقاء ، فقال
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
الثمرات ما يحصل من النبات نجما كان أو شجرا : يصلح الزارع والغارس الأرض ، ويبذر البذر ، ويغرس الفسيل ، ويتعاهد ذلك بالسقي والعذق ، فيكون له كسب في رزقه ، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقى به ، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر ؛ وبأجزاء الأرض وعناصرها الأخر ، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه ولا في إثماره إذا أثمر ، وانما كل ذلك بيد اللّه القدير - فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيما له واجلالا فلا نعبد معه أحدا وبعد أن عرفنا اللّه تعالى بأنفسنا ، وبنعمته علينا وعلى سلفنا وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة . بآثار رحمته ومننه العظيمة ، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد . وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد . قال تفريعا وترتيبا على ما سبق
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً
من سلفكم المخلوقين مثلكم تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه . وهو كل ما تعجزون عنه . ولا يصل كسبكم إليه ، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم الأنداد جمع ند بكسر النون وفسر بالشريك وهو في اللغة المضارع والكفء يقال فلان ند فلان ومن أنداد فلان أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشؤون . والأنداد الذين اتخذوا في جانب اللّه هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات ، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولا وبالذات ، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب . فالعرب كانت تسمى ذلك الخضوع والصمود عبادة إذ لم يكن عندهم وحى ينهاهم عن عبادة غير اللّه فيتحاموا هذا اللفظ « العبادة » ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلا تأويلا لظاهر نص التنزيل . وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادا وأربابا فكانوا يؤولون فلا يسمون