البراهين القاطعة - بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعو إليه ويناضل عنه ويكافح دونه
( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ )
فقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضايق الوساوس ، وتتسللوا من مآزق الهواجس وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد ، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد ، أن تهرعوا إلى الحق فتطلبوه ببرهانه ، وأن تبادروا إلى ما دعيتم إليه فتأخذوه بربانه ، فان خفى عليكم الحق بذاته ، فهذه آية من أظهر آياته ، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة من مثل سور القرآن من رجل أمي مثل الذي جاءكم به ، وهو عبدنا ورسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوى سورة في هدايتها ، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها ، وأنتم فرسان البلاغة ، وعصركم أرقى عصور الفصاحة ، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان ولم يكن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان ، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه ، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله - فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي ، وإمداد سماوي ، لم يسم عقله إلى علمه ، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه .
وعبر عن كون الريب بان للايذان بان من شأن هذا التنزيل أن لا يرتاب فيه « 1 » لأن الحق فيه ظاهر بذاته ، يتلألأ نوره في كل آية من آياته ، ولكن
إذا لم تكن للمرء عين صحيحة * فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
هامش
( 1 ) هذا مبنى على قاعدة معروفة في العربية ، وهي أن شرط « إذا » يقتضى الوقوع ، وشرط « إن » يقتضى عدم الوقوع أو الشك فيه ، وكذا ما شأنه عدم الوقوع لذاته وإن وقع لعارض ، كما في هذه الآية ، ومر توضيح هذا الشأن في تفسير( لا رَيْبَ فِيهِ )ومثله ما شأنه عدم الوقوع أو ما ينزل منزلته لا لذاته بل بسبب آخر كالممنوع شرعا فمن شأنه ألا يقع من مؤمن مذعن للشرع وإن وقع لضعف في الايمان وتغلب للشهوات كقوله تعالى( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا )وقوله( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )ويراجع تفصيل هذه القاعدة في ( دلائل الاعجاز ) للامام عبد القاهر الجرجاني