تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادا أو أربابا . وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول . والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا اللّه ولا رازق إلا اللّه وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير اللّه والتقرب إليه توسلا واستشفاعا . ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات . وتحريمهم عليهم بعض الطيبات فقها واستنباطا من التوراة . إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالا للفظ في مدلوله اللغوي وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافا عظيما وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء . وقالوا : كل عمل غير محظور تحسن فيه النية للّه تعالى فهو عبادة . كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى اللّه تعالى وحده وابتغاء مرضاته ، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به . ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون اللّه أندادا كما ذكر اللّه عنهم في قوله ( 9 : 30
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ )
ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي ، كما صح ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقدماء الفرس جعلوا لله ندا في الخلق والايجاد ، فقالوا : إن للخير إلها هو الاله الأول . وإن للشر إلها يضاده . وليس النهى في الآية عن هذا الند الشريك لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة لذلك وصل النهى بقوله عز وجل
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذ سئلتم : من خلقكم وخلق من قبلكم ؟ تقولون اللّه . وإذا سئلتم : من يرزقكم من السماوات والأرض ومن يدبر الأمر ؟ تقولون اللّه . فلماذا تستغيثون إذن بغير اللّه وتدعون غير اللّه ؟ ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند اللّه ؟ ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى اللّه يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم ( 39 : 3
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ ) ؟
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم . وخلق وسائطكم وشفعاءكم