تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة ويا أيها الناس الذين لم يرزؤوا بهذا الخذلان ، ولم يبتلوا بهذا الافتتان ، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الايمان ،
( اعْبُدُوا رَبَّكُمُ )
جميعا عبادة خشوع واخلاص وأدب وحضور ، كأنكم تنظرون إليه وترونه ، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم ، وينظر دائما إلى محل الاخلاص منكم وهو قلوبكم ، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والاخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون ( 16 : 78
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
وغذاكم بنعمه ، ونماكم بكرمه ، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية ، ومعظمين لهذه المنة ، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة اللّه على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم
( الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ )
خلق
( الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
قد رباكم كما ربى سلفكم ، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم ، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعما ، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقما . ليكون عبرة ومثلا للآخرين . وذلك من رحمته بالعالمين . وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد . فقال ( 14 : 7
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ )
وفي القصاص حياة لأولى الألباب . وما يتذكر إلا من أناب . هكذا أمر اللّه تعالى عباده أجمعين . بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين . وأرشدهم باعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية - إلى الاستقلال بالعمل . وقدر نعمته عليهم قدرها . ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر - وهي ما عدا النبوة - مقدورة لهم . كما كانت مقدورة لمن قبلهم . وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرا يزادون نعما . وما الشكر الا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله . فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة . وانما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا . لأن عقولهم كانت أقوى . وكانوا على فهم الدين أقدر . بل لا يمكن
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 185 | الشيخ محمد رشيد رضا