تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
أن يفهمه غيرهم ، أولئك كافرون بنعمة العقل ، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمة والفضل . وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين اللّه تعالى لأجل التقريب إليه زلفى بغير ما شرعه لهم من الدين وما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام - وهم الوسائل في الهداية والارشاد - أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين . من غير طريق العمل به واتباع المرسلين - قد احتقروا نعم اللّه تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا للّه أندادا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ما حكم اللّه بأن يطلبه الناس بايمانهم وأعمالهم . فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء للّه يغنونهم عن شريعته . شعروا بذلك أم لم يشعروا يقول تعالى لجميع عباده : اعبدوني ملاحظين معنى الربوبية . والمساواة في المواهب الخلقية . التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى . ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى . قال الأستاذ : الشائع أن « لعل » للترجى في ذاتها وإذا وقعت في كلام اللّه تعالى يكون معناها التحقيق . وغرض القائلين بهذا تنزيه اللّه سبحانه عن الترجى بمعناه اللغوي الآتي . ولكنه رمى للكلام بدون بيان . وحقيقته أن « لعل » للترجى ولكنها تستعمل للاعداد والتهيئة للشئ وفي هذا معنى الترجى . فحيث وقعت « لعل » في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفا . وهو يستلزم التحقيق [ لأن الإعداد بما تأتى « لعل » بعده أمر محقق لا ريبة فيه ] فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية اللّه وتعظيمه ومراقبته . وتعلى همة العابد وتقوى عزيمته وإرادته . فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل . وتألف الطاعات والفضائل . وهذه هي التقوى . وإذا قلنا : إن الرجاء متعلق بالناس فالاعداد فيه ظاهر ومتحقق ، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد ومعنى الترجى في أصل اللغة : توقع حصول الشئ القريب بحصول سببه والاستعداد له . سواء كان الاستعداد كسبيا أو طبيعيا فاستعملنا « لعل » المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الاعداد الذي هو جعل المرء مستعدا