المسلمين الحاضرة ، ومنابع البدع التي فشت فيهم ، ومثارات الفتن التي فرقتهم ، ويعرف علاج ذلك . وأن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علما « 1 » إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته ، وما عدا ذلك مبعد عنه ، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن اللّه تعالى وذلك هو الضلال البعيد
كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن ، فإذا قال :
( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والاسرار ؛ وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى : ( 51 : 20 ، 21
وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ )
وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا ، كما قال في آية أخرى : ( 30 : 42
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ )
وأمثال ذلك كثير
لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه ، وذاق حلاوة أساليبه ، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو ؛ كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر « 2 » وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن . قال الإمام أبو بكر البقلاني : من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل
هامش
( 1 ) قد يقال : إن هذا انما يصح في العلوم الشرعية ووسائلها من الفنون العربية دون العلوم العقلية والكونية والاجتماعية . والصواب أن هذه العلوم تفتح من باب الفهم في القرآن ما لا يفتحه علم الفقه وعلم الكلام ، وستأتي الإشارة إلى ذلك
( 2 ) يعنى في كتابيه أسرار البلاغة ودلائل الاعجاز لان كلا منهما مصداق جلى لاسمه ، فهو يعلم قارئه البلاغة بعبارته ومباحثه ويعينه على جعلها ملكة في نفسه وذوقا له بأسلوبه وبلاغته . ولذلك حثنا الأستاذ على طبعهما وقرأهما لطلاب البلاغة في الجامع الأزهر . وأما مختصر السعد ومطوله فلا يتعلم قارئهما الا الاصطلاحات الجافة التي تفسد ملكة البيان وتبعد بقارئها عن ذوق البلاغة