كنى عنهم بالضمير هنا لأن المثل قد تم ، بعد ما ذكرهم في قوله
( وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ )
بالوصف الذي اقتضى التمثيل . هذا ما قاله شيخنا ، وهو أحد قولين للمفسرين ، ومنهم من جعله تتمة للمثل نفسه ، والمقصود من ضرب فيهم المثل ، على أن كلا من المعنيين صحيح لا ينافي الآخر ، وكلام بعضهم يمنع الجمع فقد قال البغوي : ولو شاء اللّه لذهب بسمعهم وأبصارهم الظاهرة . كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة ا ه وهو خطأ بيانى فإن الباطنة هي المقصود من الظاهرة بأسلوب التشبيه البليغ وهو الاستعارة . ومع هذا فقد جعله شيخنا في صنف منهم غير الموصوفين بقوله
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ )
وكلامه أظهر
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ليس عندي عن أستاذنا شئ في هذه الجملة ومعناها واضح لا يحتاج إلى تفسير ، ولكن قال بعض المفسرين : إن قدير بمعني قادر ومثله كل صيغة مبالغة في أسمائه تعالى لأنه لا تفاوت فيها . وفيه أن المبالغة في الكلام ، لأجل التأثير في الأفهام ، فقوله
( عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) *
أبلغ من قوله
( عالِمُ الْغَيْبِ ) *
ولكل منهما موقع ، وههنا لما هدد المنافقين بأنه لو شاء أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها ، علله بأنه على كل شئ قدير ، للاعلام بأن تعلق مشيئته يتصل به تعلق قدرته ، فما شاء كان قطعا لأنه لا يعجزه شئ ، وتأثير الأسباب في مسبباتها منوط بمشيئته تعالى
( تنبيه صادع . في تطبيق القرآن على ما هو واقع )
( وظهور معاني الأمثال المضروبة للمنافقين ، في كثير من العلماء والعامة من المسلمين )
عقب الأستاذ تفسير هذه الآيات بتنبيه ، ارتاع له الخامل والنبيه ، ذلك أنه بين أن القرآن هاد ومرشد إلى يوم القيامة ، وأن معانيه عامة شاملة ، فلا يعد ويوعد ويعظ ويرشد أشخاصا مخصوصين ، وإنما نيط وعده ووعيده وتبشيره وإنذاره بالعقائد والأخلاق والعادات والأعمال التي توجد في الأمم والشعوب .
فلا يغترن أحد بقول بعض المفسرين : إن هذه الآيات نزلت في المنافقين الذين كانوا في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيتوهم أنها لا تتناوله وإن كانت منطبقة عليه . لأنه لم يتخذ القرآن إماما وهاديا ، ولم يستعمل عقله ومشاعره فيما خلقت له ، بل اكتفى