ضمائرهم ، وقادر على أخذهم أينما كانوا ، وفي أي طريق سلكوا . فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر ، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة ، أو يدفعه إلى هاوية العدم ، ولهذا قال
( مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ )
ولم يقل محيط بهم . أقول : فوضع الاسم المظهر موضع المضمر للايذان بأنهم إنما كانوا كذلك بكفرهم ، وأن ذلك يرد في أمثالهم . والمراد بالإحاطة هنا إحاطة القدرة ، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها * تنوعت الأسباب والموت واحد * والمحيط بالشئ لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته
يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
* * *
إذا لمع البرق بشدة مفاجئا من هو في ظلمة فإنه يؤثر في بصره تأثيرا يكاد يخطفه ، والخطف هو الأخذ بسرعة ، ولكنه يتبين به جزءا من الطريق فيمشى فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام ، وتستحوذ عليه المخاوف والأوهام ، فيقف في مكانه ، أو يعود البرق إلى لمعانه ، ويحاكى هذا من حال الممثل بهم أنه عندما يدعوهم الداعي إلى أصل الدين ، ويوضح لهم سبب ما هم فيه من البلاء المبين ، ويتلو عليهم الآيات البينة ، ويقيم لهم الحجج القيمة ، على أنهم تنكبوا الصراط السوى ، وأصيبوا بالداء الدوىّ ، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه ، وتسير أفكارهم في نوره بعض خطوات ، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات ؛ وغبسة الأهواء والشبهات ، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره ، وإنما تعود به إلى الحيرة - كما تقدم في أول الكلام - ثم يتكرر النظر في تضاعيفها بطريق الالتفات والالمام . وفيه : أنهم على سوء الحال وخطر المآل ، لم تنقطع منهم الآمال ، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمى ولذلك قال فيهم
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
حتى لا ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد ، ولم يقل : إنه ذهب بنورهم كما ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد ، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق . وقوله تعالى
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ )
الخ رجوع إلى بيان حال من ضرب فيهم المثل . لا من تتمة المثل ، وقد