تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
فيضانه الحد المألوف . والمدّ الزيادة في الشئ متصلة به ، يقال : مد البحر زاد وارتفع ماؤه وانبسط ومده اللّه قال تعالى ( 31 : 28
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ )
ومد البحر يقابله الجزر ، وهو انحسار مائه عن الساحل ونقصان امتداده . ويسمى السيل مدا من قبيل التسمية بالمصدر ، ومنه المدة من الزمان ، والمدد - بالتحريك - للجيش . يقال مده وأمده . قال تعالى ( 19 : 75
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا * حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ
- إما العذاب وإما الساعة -
فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً )
وسيأتي مزيد ييان لهذا المعنى في تفسير قوله تعالى من سورة الأنعام ( 6 : 109
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ . كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
والمعنى : أن سنة اللّه تعالى في الذين وصلوا إلى هذه الغاية من فساد الفطرة هو ما بينه بقوله فيهم :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
* * * المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون :
آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
الخ وهو صريح في أن طغيانهم وعمههم من كسبهم ، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم . قال الأستاذ : وقد فسروا « اشتروا » باستبدلوا وهو غير سديد لان بين اللفظين فصلا في المعنى ، وكلنا نعتقد - والحق ما نعتقد - أن القرآن في أعلى درج البلاغة لا يختار لفظا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه ، ولا يرجح أسلوبا على أسلوب يمكن تأدية المراد به ، إلا لحكمة في ذلك وخصوصية لا توجد في غير ما اختاره ورجحه . ووجه اختياره « اشتروا » على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين : أحدهما : أن الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه ، سواء كانت الفائدة حقيقية أو وهمية ثانيهما : أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال ، فإذا أخذت ثوبا من ثيابك بدل آخر ، يقال إنك استبدلت ثوبا بثوب ، فالمعنى الذي تؤديه الآية : أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس ، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح ، وهذا هو معنى الاشتراء والشراء ، ومثلهما البيع والابتياع ، ولا يؤديه مطلق الاستبدال ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام ، وفيها بشارة بأن اللّه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 165 | الشيخ محمد رشيد رضا