تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
اللّه يستهزئ بهم [ أنه يمهلهم فتطول عليهم نعمته ، وتبطىء عنهم نقمته ] ثم يسقط من أقدارهم ويستدرجهم بما كابوا يعملون
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
والعمة عمى القلب وظلمة البصيرة ، وأثره الحيرة والاضطراب ، وعدم الاهتداء للصواب . أقول : هذا ملخص سياق الدرس . وقال الراغب : العمة التردد في الامر من التحير : يقال : عمه فهو عمه وعامه وجمعه عمه ( بالتشديد ) ا ه والاستهزاء فعل الهزء - بسكون الزاي وضمها - وقصده بالعمل . وهو اسم من هزئت به ومنه ، وفي لغة هزأت - فهو من بابى تعب ونفع - واستهزأت به أي استخفت به وسخرت منه . وقال البيضاوي : والاستهزاء السخرية والاستخفاف ، يقال : هزأت به واستهزأت بمعنى - كأجبت واستجبت - وأصله الخفة ، من الهزؤ وهو القتل السريع ، يقال : هزأ فلان إذا مات ، وناقته تهزأ به ، أي تسرع وتخف . وقال الراغب : الهزء مزح في خفية ، وقد يقال لما هو كالمزح . ثم قال : والاستهزاء ارتياد الهزؤ وإن كان قد يعبر به عن تعاطى الهزؤ كالاستجابة في كونها ارتيادا للإجابة ، وإن كان يجرى مجرى الإجابة . ثم قال بعد ذكر آيات من الشواهد : والاستهزاء من اللّه في الحقيقة لا يصح كما لا يصح من اللّه اللهو واللعب تعالى اللّه عنه . وقوله
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ )
أي يجازيهم جزاء الهزؤ ، ومعناه : أنه أمهلهم مدة ثم أخذهم مغافصة ( أي مفاجأة على غرة ) فسمى إمهاله إياهم استهزاء من حيث إنهم أغتروا به اغترارهم بالهزؤ فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون . ا ه . وأشهر الأقوال : أن معناه يجازيهم بالعقاب على استهزائهم أو يعاملهم معاملة المستهزىء بهم ( 57 : 13
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً )
الآية وقال تعالى ( 83 : 29 - 35
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
- إلى قوله -
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ )
وقيل : إن استهزاءه تعالى بهم إجراؤه أحكام المسلمين عليهم في الدنيا كما مر في خداعه لهم والطغيان مجاوزة الحد في العصيان . مأخوذ من طغيان الماء وهو تجاوز
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 164 | الشيخ محمد رشيد رضا