تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم ، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم . فرد اللّه تعالى عليهم بقوله :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ
أي وحدهم دون من عرّضوا بهم ، لأن لهم سلفا صالحا تركوا الاقتداء بهم ، زعما أن المتأخر ، لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به ، واحتذاء عمله ، لعلوه في الدرجة ، وبعده في المنزلة ، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم ، وإن لم يسيروا على سنتهم ، فأي الفريقين أجدر بلقب السفيه ، أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان ، وقلبه مع ذلك مطمئن بالايمان ، وأعماله تشهد له بالاحسان ، كالصحابة الذين هداهم اللّه بنور الاسلام ، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام ، بل ربما سبقوهم بالفضائل ، وزادوا عليهم في الفواضل ؟ لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح ، ودين قيم ، هم السفهاء ، دون هؤلاء العقلاء
وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
أن السفه محصور فيهم ، ومقصور عليهم ، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم ، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم ، ينتحلون له العلل الضعيفة ، ويتمحلون له الاعذار السخيفة ، فهو لم يصل إلى حد العلم الذي تتكيف به النفس . ويكفى في إثبات سفههم أنهم يعرفون حسن حال سلفهم ، ويعترفون به ، ولكن لا يقتدون بهم ، ولا يقتفون أثرهم ، وإنما يعتمدون في نجاتهم وسعادتهم على تلك الأماني والتعلات ، كقولهم ( 3 : 24
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ )
وقولهم ( 5 : 18
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )
وشعبه وأصفياؤه ؛ ولا يصح نفى الشعور عنهم في هذا المقام مع ذلك الاعتراف ، وانما هو نفى العلم الكامل الذي يزيل الشبه ويذهب بالعلل ، ويبعث على الاقتداء بالعمل وهذا أيضا حجة على كثير من اللابسين لباس الاسلام ، وهم من هذا الصنف يعتقدون كمال سلفهم ، ولا يقتدون بهم ، وانما يطمعون في سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام ، ولكونهم من أمة النبي عليه الصلاة والسّلام وهي خير الأمم بشهادة اللّه في القدم ، ولكنهم لا يعلمون أنها فضلت سواها