وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والقضايا التي قياساتها معها ( 1 ) - من المعقولات المحضة . والتجربيات والحدسيات ( 2 ) شترك فيها العقل والبصر ، والقسم الأعظم من المشاهدات سبيل الإدراك فيه البصر . فالعقول والأبصار بمنزلة ينابيع كثيرة تنبجس من كل منها عيون للعلم مختلفة ، بخلاف السمع فإنه ينبوع واحد لا اختلاف فيما يصدر عنه ] فالحاصل أن العقول والأبصار تتصرف في مدركات كثيرة فكأنها صارت بذلك كثيرة فجمعت ، وأما السمع فلا يدرك إلا شيئا واحدا فأفرد
سأله سائل : كيف هذا ، وقد قالوا : إن السمع أفضل من البصر ؟ فقال : أنا لا أتكلم في التفضيل ، ذلك إلى اللّه ورسوله ، وإنما أشرح موجودا وأبين مناسبة اللفظ له ، [ وإن المشاهدة قاضية بأن العقل لا منتهى لتصرفه ، وبأن أقل ما قيل في البصر أنه يدرك الألوان ، والاشكال ، والمقادير ؛ والسمع لا يدرك إلا الأصوات فقط ، كما أن الذوق لا يحس إلا بالمذوقات وحدها ، وان كان ما يصل من طريق السمع قد يتضمن حكاية عن معقول أو مبصر ، ولكن وروده على الحكاية لا يغير من حقيقته ، فهو معقول أو مبصر ، فمن ذكر لك برهانا على حقيقة علمية فإنما تسمع منه الأصوات والحروف . وأما فهمك المقدمات ووصولك منها إلى النتائج فهو من طريق عقلك لا من طريق سمعك ؛ فإن كان حديث الأفضلية يستند إلى أن جمع المدركات قد يمكن أن يعبر عنها بالكلام - وهو مسموع - فقد بينا لك ما فيه ، ويعارضه أن جميع ضروب الكلام يصح أن تكتب وطريق فهمها من الرقم
( 1 ) هي ما يحكم العقل فيه بواسطة لا تغيب عن الذهن عند تصور طرفي القضية كقولنا : الأربعة زوج ، بسبب وسط حاضر في الذهن وهو الانقسام بمتساويين
( 2 ) هي ما يحتاج العقل في الجزم بالحكم فيها إلى تكرار التجربة حتى تثبت بالمشاهدة مرة بعد أخرى . والحدسيات هي ما يجزم العقل بالحكم فيها بسبب تكرر المشاهدة ، كقولنا : بخار الماء ذو قوة ضاغطة رافعة ، ونور القمر مستفاد من نور الشمس ، وكل هذا من اصطلاح علم المنطق ، ونحن نحامى أمثال هذه الاصطلاحات فيما نقوله وفيما ننقله في التفسير ليفهمه جماهير القراء ، ولكن هذا شئ كتبه شيخنا بخطه ، فمن الأمانة نقله بحروفه .
« تفسير القرآن الحكيم » « 10 » « الجزء الأول »
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 145
مساهمون: الشيخ محمد رشيد رضا
ص١٤٥