تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
* * * قال الراغب : الختم والطبع يقال على وجهين : مصدر ختمت وطبعت ، وهو تأثير الشئ كنقش الخاتم والطابع ( والثاني ) الأثر الحاصل عن النقش ، ويتجوز بذلك تارة في الاستيثاق من الشئ والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو
( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
وختم على قلبه وسمعه ) - إلى أن قال - فقوله
( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) . . .
إشارة إلى ما أجرى اللّه به العادة أن الانسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب محظور - ولا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق - يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي ، وكأنما يختم بذلك على قلبه . وعلى ذلك
( أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ )
ا ه المراد منه . وأقول : إن مراده أن هذا التعبير مثل لمن تمكن الكفر في قلوبهم حتى فقدوا الدواعي والأسباب التي تعطفهم إلى النظر والفكر في أدلة الايمان ومحاسنه . ختم اللّه على قلوبهم فلا يدخلها غير ما رسخ فيها ، وعلى أسماعهم فلا يسمعون آيات اللّه المنزلة سماع تأمل وتفقه ، وقوله
( وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ )
جملة معطوفة على جملة ( ختم ) والغشاوة ما يغطى به الشئ ، ومعنى هذه المادة : غ ش ى - التغطية . والمراد أن أبصارهم لا تدرك آيات اللّه المبصرة الدالة على الايمان ، فكل من الفريقين لا يرجى إيمانه وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى اللّه تعالى لأنه بيان لسنته تعالى في أمثالهم ، وعبر عنه بالماضي للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه ، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر ، ولا على منع اللّه تعالى إياهم منه بالقهر ، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على الكفر وأعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها وملك أمرها حتى لم يعد فيها استعداد لغيره ، كما تقدم مثله عن الراغب . ويوضح ما قلناه : قوله تعالى في سورة المنافقين ( 63 : 3
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ )
وقوله في اليهود من سورة النساء ( 4 : 154
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ : قُلُوبُنا غُلْفٌ . بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ؛ فَلا