يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
فذكر أن الطبع على قلوبهم إنما هو بسبب كفرهم وتلك المعاصي التي أسندها إليهم وقوله تعالى في سورة الجاثية ( 45 . 22
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً - فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ )
فقد ذكر من فعله المسند إليه أنه اتخذ الهه هواه ومن صار هواه معبوده لا يفيد معه شئ . وقد صرح هنا بأن الغشاوة على بصره من جعل اللّه تعالى ، ولم يصرح بذلك في آية البقرة التي نفسرها ، والمعنى واحد .
ولشيخنا الأستاذ الإمام دقائق في هذه التعبيرات ادخرها اللّه تعالى له وهي مع هذا تغنيك عن تمارى الأشعرية والمعتزلة في الآيات تعصبا لمذاهبهم . قال :
يقولون : إن الختم والطبع والرين . ألفاظ تجرى على شئ واحد ، وهو :
تغطية الشئ والحيلولة بينه وبين ما من شأنه أن يدخله ويمسه ، والقلوب مراد بها العقول ، والمراد بالسمع الأسماع ، وإفراده لأن أصله مصدر ومن شأن المصادر أن لا تجمع ، وقد لوحظ هنا الأصل ، والأبصار العيون التي تدرك المبصرات من الأشكال والألوان .
( قال ) وأنا أرى في مسألة هذا الجمع والافراد رأيا آخر ، إذ لو صح ما قيل فان البصر أيضا مصدر فلماذا جمعه ؟ والذي أراه أن العقل له وجوه كثيرة في إدراك المعقولات ، فليس الناس فيه سواء ؛ فجمع لاختلاف الناس فيه ، وأنواع تصرفهم في وجوهه ، بخلاف السمع فان أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات فلا تتشعب تشعب العقول في إدراك المعقولات . وأما الأبصار فهي مثل العقول في التشعب ، وأعظم معين للعقول في إدراكها ، لأن أنواع المبصرات كثيرة فتعطى للعقل مواد كثيرة ، والسمع لا يدرك إلا الصوت ، وليس في الكلام عند النقل طريق من طرق العلم اليقيني إلا التواتر [ بخلاف ما نقطع فيه بالضرورة من طريق العقل والبصر ، فهو كثير ، فالأوليات « 1 » كالحكم بأن الجزء أصغر من الكل
هامش
( 1 ) الأوليات : هي القضايا الضرورية التي يحكم العقل بها بمجرد توجهه إليها بدون حاجة إلى شئ آخر ، وهي أخص من الضروريات مطلقا .