تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
[ وهذا الصنف قد يجتمع مع الذي قبله فيمن كانوا متقين مؤمنين بالغيب ، ثم آمنوا بالنبي وبما جاء به ، وقد يفترق الصنفان فيمن بقي إلى اليوم لم تبلغه الدعوة ، وهو على تلك الأوصاف ، ومن ولد من آباء مؤمنين ثم صدق إيمانه بعد أن بلغ رشده وملك عقله ] أما هاتان الآيتان فقد بينتا حال طائفة ثالثة من الناس ، وهم الكافرون ، ثم يبين قوله تعالى
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ )
الخ حال طائفة أخرى أخص منها وهم المنافقون ، الذين يظهر من أقوالهم وفي بعض أفعالهم أنهم مؤمنون ، ولكنهم في حقيقة أمرهم كافرون ، بل شر من الكافرين [ فهذه أقسام أربعة ينقسم إليها الناس إذا بلغهم القرآن ونظروا فيه ، ودعوا إلى الايمان به والاخذ يهديه ] بين اللّه تعالى لنبيه أنه إذا كان يوجد في الناس من لا يؤمن بالقرآن فليس هذا عيبا وتقصيرا في هداية الكتاب ، وإنما العيب فيهم لا في الكتاب ، لأنه هداية كسائر الهدايات الطبيعية التي أعرض الناس وعموا عنها [ كهداية العقل والسمع والبصر ونحوها مما أكرم اللّه به هذا النوع البشرى ، وقد يحكم الرجل بأن في العمل مضرة تلحق به ، ومع ذلك يعدل عن حكمه انتهازا للذة زينها له حسه أو وهمه ؛ ويأتي ذلك العمل على ما يعلم من سوء مغبته ، فاحتقار الرجل لعقل نفسه لا يعد عيبا في تلك الموهبة الإلهية ، ولا يحط من شأن النعمة فيها . أنظر إلى رجل يغمض عينيه ويمشى في طريق لا يعرفها فيسقط في حفرة وتتحطم عظامه ، هل ينقص ذلك من قدر بصره ، ويبخس من حق اللّه في الاحسان به ، على هذا الذي لم يرد أن يستعمله فيما خلق له ] ففي الكلام تسلية لأهل الحق ، وسيدهم هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو تسلية له أولا وبالأولى قوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أقول : هذا بيان لحال القسم الثاني من أقسام الناس تجاه هداية القرآن ، وقد قطعه وفصله مما قبله ، فلم يعطفه عليه للإشارة إلى ما بينهما من طول شقة الانفصال وعدم المشاركة في شئ ما ، بخلاف القسم الثالث الآتي ، فان لهم حظا منه في الدنيا ولمن يتوب منهم حظ في الآخرة أيضا . والكفر في اللغة : ستر الشئ وتغطيته وإخفاؤه ، ولذلك وصف به الليل والبحر