تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
الآخرة . وإقامة الصلاة : الاتيان بهذه العبادة الروحية البدنية على أكمل وجه ممكن . وللصلاة صورة وروح ، فصورتها عبادة الأعضاء ، وروحها عبادة القلب ، كما يعلم مما يأتي ، وجمهور المفسرين على أن هذه الآية في المسلمين من العرب أو مطلقا ، وما بعدها فيمن أسلم من أهل الكتاب خاصة . وفسرهما شيخنا تفسيرا هو أقرب إلى مدلول النظم ، وان كان أبعد عن الروايات فقال ما مثاله : الناس قسمان مادي لا يؤمن إلا بالحسيات ، وغير مادي يؤمن بما لا يدركه الحس ، أي بما غاب عن المشاعر متى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم . ولا شك أن الايمان باللّه ، وملائكته - وهي جنود غائبة لها مزايا وخواص يعلمها سبحانه وتعالى - وباليوم الآخر : إيمان بالغيب . ومن لا يؤمن باللّه لا يمكن أن يهتدى بالقرآن ، ومن يتصدى لهدايته لا بد له أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلها متصفا بصفات الكمال التي لا تتحقق الألوهية إلا بها ثم يقنعه بأن هذا القرآن هداية من لدنه تعالى لذلك وصف اللّه المتقين الذين يهتدون بالقرآن بقوله :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
والايمان بالغب هو الاعتقاد بموجود وراء المحسوس - وقد كتب الأستاذ الامام في صاحبه ما نصه : [ وصاحب هذا الاعتقاد واقف على طريق الرشاد وقائم على أول النهج ، لا يحتاج إلا إلى من يدله على المسلك ، ويأخذ بيده إلى الغاية ، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل ، وإن كانت لا يأتي عليها الحس ، إذا أقمت له الدليل على وجود فاطر السماوات والأرض المستعلى عن المادة ولواحقها ، المتصف بما وصف به نفسه على ألسنة رسله ، سهل عليه التصديق وخف عليه النظر في جلى المقدمات وخفيها ، وإذا جاء الرسول بوصف اليوم الآخر أو بذكر عالم من العوالم التي استأثر اللّه بعلمها ، كعالم الملائكة مثلا لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر بعد ثبوت النبوة - لهذا جعل اللّه سبحانه هذا الوصف في مقدمة أوصاف المتقين الذين يجدون في القرآن هدى لهم . [ وأما من لا يعرف من الموجود إلا المحسوس ويظن أن لا شئ وراء المحسوسات وما اشتملت عليه ، فنفسه تنفر من ذكر ما وراء مشهوده أو ما يشبه مشهوده ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 127 | الشيخ محمد رشيد رضا