كان من الجاهليين من مقت عبادة الأصنام ، وأدرك أن فاطر السماوات والأرض لا يرضيه الخضوع لها ، وأن الاله الحق يحب الخير ، ويبغض الشر .
فكان منهم من اعتزل الناس لذلك . وكانوا لا يعرفون من عبادة اللّه إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية ، وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات التي يهتدى إليها العقل في معاملات الخلق .
وكان من أهل الكتاب من وصفهم اللّه تعالى بمثل قوله ( 3 : 113
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
114
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ )
وبقوله ( 5 : 82
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ *
83
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ )
فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين . ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين ، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم ، وفي نفوسهم شئ من التشوف إلى هداية يهتدون بها ، ويشعرون باستعدادهم لها ، إذا جاءهم شئ من عند اللّه تعالى . فالمتقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربا من الرشاد ووجد في أنفسهم شئ من الاستعداد لتلقى نور الحق يحملهم على توقى سخط اللّه تعالى والسعي في مرضاته ، بحسب ما وصل إليه علمهم ، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم .
* * *
( 4 )
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
* * *
الايمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها .
وآيته العمل بما يقتضيه الإيمان عند عدم الصارف الذي يختلف باختلاف درجات المؤمنين في اليقين . والغيب ما غاب علمه عنهم ، كذات اللّه تعالى وملائكته والدار