تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
المخلوقين ، ولا يقال : إن شيئا بعيدا عنه تعالى أو قريبا منه في المكان الحسى لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء . وانما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوي وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعلمه .
لا رَيْبَ فِيهِ
الريب والريبة الشك والظنة ( التهمة ) والمعنى : أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب فلا شك فيه ، ولا ريبة تعتريه ، لا من جهة كونه من عند اللّه تعالى ، ولا في كونه هاديا مرشدا ، ويصح أن يقال : إنه في قوة آياته ، ونصوع بيناته ، بحيث لا يرتاب عاقل منصف ، غير متعنت ولا متعسف ، في كونه هداية مفاضة من سماء الحق ، مهداة إلى الخلق ، على لسان أمي لم يسبق له قبله الاشتغال بشئ من علومه ، ولا الاتيان بكلام يقرب منه في بلاغته ، ولا في أسلوبه حتى بعد نبوته ، - ولهذا قال فيما يأتي قريبا ( 22
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ )
وحاصله : أنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته ، ومن معانيه وعلومه وتأثيره في الهداية - لا يمكن أن توجه إليه الشبهة ، أو تحوم حوله الريبة ، سواء أشك في ذلك أحد بجهالته وعمى بصيرته - أو بتكلفه ذلك عنادا أو تقليدا - أم لا
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
خبر بعد خبر « 1 » والهدى مصدر في الأصل كالتقى والسرى والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد على ما تقدم في تفسير المراد من
( اهْدِنَا الصِّراطَ )
لأن كونه هاديا للمتقين بالفعل غير كونه هاديا - دالا - لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته ، واستقامتهم على طريقته ، وكلمة « المتقين » من الاتقاء والاسم التقوى وأصل المادة : وقى يقى . والوقاية معروفة المعنى ، وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته ، ولكن نجد هذا الحرف مستعملا بالنسبة إلى اللّه تعالى كقوله
( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ
- وَاتَّقُوا اللَّهَ *
- واتقون
يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
فمعنى اتقاء اللّه
هامش
( 1 ) بعض القراء يقف على لفظ « ريب » ويجعل« فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »جملة مستقلة ، وهو ضعيف خلاف المتبادر من النظم . ويرجح قراءة الجمهور وتفسيرهم أول سورة السجدة( ألم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ )