تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3230

مساهمون:

ص٣٢٣٠
ويجوز أن يكون الحديث هنا عن أهل الكتاب ، الذين انحرفوا عن كتابهم ، واجترحوا السيئات ، وظلوا يحسبون أنفسهم في صفوف المؤمنين ، ويجعلون أنفسهم أكفاء للمسلمين الذين يعملون الصالحات ، أندادا لهم في تقدير اللّه سواء في الحياة أو بعد الممات . أي عند الحساب والجزاء . . كما يجوز أن يكون حديثا عاما بقصد بيان قيم العباد في ميزان اللّه . ورجحان كفة المؤمنين أصحاب العمل الصالح ؛ واستنكار التسوية بين مجترحي السيئات وفاعلي الحسنات ، سواء في الحياة أو في الممات . ومخالفة هذا للقاعدة الثابتة الأصيلة في بناء الوجود كله . قاعدة الحق . الذي يتمثل في بناء الكون ، كما يتمثل في شريعة اللّه . والذي يقوم به الكون كما تقوم به حياة الناس . والذي يتحقق في التفرقة بين المسيئين والمصلحين في جميع الأحوال ؛ وفي مجازاة كل نفس بما كسبت من هدى أو ضلال ؛ وفي تحقيق العدل للناس أجمعين :
« وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. . ومعنى أصالة الحق في بناء الكون ، وارتباطه بشريعة اللّه للبشر ، وحكمه عليهم يوم الحساب والجزاء ، معنى يتكرر في القرآن الكريم ، لأنه أصل من أصول هذه العقيدة ، تجتمع عليه مسائلها المتفرقة ، وترجع إليه في الأنفس والآفاق ، وفي ناموس الكون وشريعة البشر . وهو أساس « فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان » « 1 » وإلى جوار هذا الأصل الثابت يشير إلى الهوى المتقلب . الهوى الذي يجعل منه بعضهم إلها يتعبده . فيضل ضلالا لا اهتداء بعده ، والعياذ باللّه :
« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ، وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ؟ فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ »
. . والتعبير القرآني المبدع يرسم نموذجا عجيبا للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت ، وتتبع الهوى المتقلب ؛ وحين تتعبد هواها ، وتخضع له ، وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها . وتقيمه إلها قاهرا لها ، مستوليا عليها ، تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول . يرسم هذه الصورة ويعجّب منها في استنكار شديد :
« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ؟ »
. . أفرأيته ؟ إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب ! وهو يستحق من اللّه أن يضله ، فلا يتداركه برحمة الهدى . فما أبقى في قلبه مكانا للهدى وهو يتعبد هواه المريض !
« وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ »
. . على علم من اللّه باستحقاقه للضلالة . أو على علم منه بالحق ، لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلها يطاع . وهذا يقتضي إضلال اللّه له والإملاء له في عماه :
« وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً »
. . فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور ؛ وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى . وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم .
« فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ »
. .
هامش
( 1 ) بحث يرجو المؤلف أن يقدمه إن شاء اللّه .