تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3229

مساهمون:

ص٣٢٢٩
وهكذا يتمحض الأمر . فإما شريعة اللّه . وإما أهواء الذين لا يعلمون . وليس هنالك من فرض ثالث ، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة ؛ وما يترك أحد شريعة اللّه إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون ! واللّه - سبحانه - يحذر رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون ، فهم لا يغنون عنه من اللّه شيئا . وهم يتولون بعضهم بعضا . وهم لا يملكون أن يضروه شيئا حين يتولى بعضهم بعضا ، لأن اللّه هو مولاه :
« إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ »
. . وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده ، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل :
« ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ »
. . إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف ، وما عداها أهواء منبعها الجهل . وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها ، ويدع الأهواء كلها . وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء . فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من اللّه صاحب الشريعة . وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض . وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له أو جنوحا عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه . ولكنهم أضعف من أن يؤذوه . واللّه ولي المتقين . وأين ولاية من ولاية ؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضا ؛ من صاحب شريعة يتولاه اللّه . ولي المتقين ؟ وتعقيبا على هذا البيان الحاسم الجازم ، يتحدث عن اليقين ، وعما في هذا القول وأمثاله في القرآن من تبصرة وهدى ورحمة لأهل اليقين :
« هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »
. . ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة . فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور . وهو بذاته هدى . وهو بذاته رحمة . . ولكن هذا كله يتوقف على اليقين . يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك ، ولا يخالطها قلق ، ولا تتسرب إليها ريبة . وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه ، فلا يتلجلج ولا يتلعثم ولا يحيد . وعندئذ يبدو له الطريق واضحا ، والأفق منيرا ، والغاية محددة ، والنهج مستقيما . وعندئذ يصبح هذا القرآن له نورا وهدى ورحمة بهذا اليقين . ويعقب على الحديث عن ولاية الظالمين بعضهم لبعض وولاية اللّه للمتقين ؛ وعن طبيعة هذا القرآن بالقياس إلى المتقين ، وأنه بصائر وهدى ورحمة لأهل اليقين . يعقب على هذا الحديث بالتفرقة الحاسمة بين حال الذين يجترحون السيئات وحال الذين يعملون الصالحات وهم مؤمنون . ويستنكر أن يسوى بينهم في الحكم ، وهم مختلفون في ميزان اللّه . واللّه قد أقام السماوات والأرض على أساس الحق والعدل ؛ والحق أصيل في تصميم هذا الكون .
« أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ . ساءَ ما يَحْكُمُونَ . وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. .