واقعا بهم - وإن كان لم يحن بعد موعده - لأن التصوير القرآني يعرضه حيا شاخصا كأنهم يرونه رأي العين من خلال الكلمات .
ثم تختم السورة بالحمد للّه ، الواحد الربوبية في السماوات وفي الأرض ولجميع العالمين في السماوات والأرض ، وتمجيد عظمته وكبريائه المتفردة في السماوات والأرض ، لا ترتفع أمامها هامة ، ولا يتطاول إليها متطاول . .
وهو العزيز الحكيم . .
« وَقالُوا : ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . قُلِ : اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
. .
هكذا كانوا ينظرون تلك النظرة القصيرة . الحياة في نظرهم هي هذا الشوط الذي يرونه في الدنيا رأي العين . جيل يموت وجيل يحيا ؛ وفي ظاهر الأمر لا تمتد إليهم يد بالموت ، إنما هي الأيام تمضي ، والدهر ينطوي ، فإذا هم أموات ؛ فالدهر إذن هو الذي ينهي آجالهم ، ويلحق بأجسامهم الموت فيموتون ! وهي نظرة سطحية لا تتجاوز المظاهر ، ولا تبحث عما وراءها من أسرار . وإلا فمن أين جاءت إليهم الحياة ؛ وإذا جاءت فمن ذا يذهب بها عنهم ؟ والموت لا ينال الأجسام وفق نظام محدد وعدد من الأيام معين ، حتى يظنوا أن مرور الأيام هو الذي يسلبهم الحياة . فالأطفال يموتون كالشيوخ والأصحاء يموتون كالمرضى . والأقوياء يموتون كالضعاف . ولا يصلح الدهر إذن تفسيرا للموت عند من ينظر إلى الأمر نظرة فاحصة ، ويحاول أن يعرف ، وأن يدرك حقيقة الأسباب .
لهذا يقول اللّه عنهم بحق :
« وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ . إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ »
:
يظنون ظنا غامضا واهيا ، لا يقوم على تدبر ، ولا يستند إلى علم ، ولا يدل على إدراك لحقائق الأمور .
ولا ينظرون إلى ما وراء ظاهرتي الحياة والموت من سر يشهد بإرادة أخرى غير إرادة الإنسان ، وبسبب آخر غير مرور الأيام .
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ، ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا : ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. .
وهذه كتلك تدل على نظرة سطحية لا تدرك نواميس الخلق ، وحكمة اللّه فيها ، وسر الحياة والموت الكامن وراءهما ، المتعلق بتلك الحكمة الإلهية العميقة . فالناس يحيون في هذه الأرض ليعطوا فرصة للعمل وليبتليهم اللّه فيما مكنهم فيه . ثم يموتون حتى يحين موعد الحساب الذي أجله اللّه ، فيحاسبوا على ما عملوا ، وتتبين نتيجة الابتلاء في فترة الحياة . ومن ثم فهم لا يعودون إذا ماتوا . فليست هنالك حكمة تقتضي عودتهم قبل اليوم المعلوم . وهم لا يعودون لأن فريقا من البشر يقترحون هذا . فاقتراحات البشر لا تتغير من أجلها النواميس الكبرى التي قام على أساسها الوجود ! ومن ثم فلا مجال لهذا الاقتراح الساذج الذي كانوا يواجهون به الآيات البينات :
« ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
! ولما ذا يأتي اللّه بآبائهم قبل الموعد الذي قدره وفق حكمته العليا ؟ ألكي يقتنعوا بقدرة اللّه على إحياء الموتى ؟
يا عجبا ! أليس اللّه ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة ، وفق سنة إنشاء الحياة ؟
« قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ »
. .