تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3227

مساهمون:

ص٣٢٢٧
تفوق قوته وطاقته بما لا يقاس ! وكل ذلك من فضل اللّه عليه . وفي كل ذلك آيات لمن يفكر ويتدبر ؛ ويتبع بقلبه وعقله لمسات اليد الصانعة المدبرة المصرفة لهذه القوى والطاقات :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. . والفكر لا يكون صحيحا وعميقا وشاملا ، إلا حين يتجاوز القوى والطاقات التي يكشف سرها ، إلى مصدر هذه القوى والطاقات ؛ وإلى النواميس التي تحكمها ؛ وإلى الصلة بين هذه النواميس وفطرة الإنسان . هذه الصلة التي تيسر للإنسان الاتصال بها وإدراكها . ولولاها ما اتصل ولا أدرك . ولا عرف ولا تمكن ، ولا سخر ولا انتفع بشيء من هذه القوى والطاقات . . وحين يبلغ سياق السورة إلى هذا المقطع القوي الذي يصل قلب المؤمن بقلب هذا الوجود . ويشعره بمصدر القوة الحقيقي وهو الاهتداء إلى أسرار هذا الوجود . . عند هذا يدعو المؤمنين إلى الترفع والاستعلاء وسعة الأفق ورحابة الصدر في مواجهة الضعاف العاجزين الذين لا تتصل قلوبهم بذلك المصدر الثري الغني . كما يدعوهم إلى شيء من العطف على هؤلاء المساكين المحجوبين عن الحقائق المنيرة القوية العظيمة ؛ من الذين لا يتطلعون إلى أيام اللّه ، التي يظهر فيها عظمته وأسراره ونواميسه :
« قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ، لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ، وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ »
. . فهو توجيه كريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام اللّه . تسامح المغفرة والعفو . وتسامح القوة والاستعلاء . وتسامح الكبر والارتفاع . والواقع أن الذين لا يرجون أيام اللّه مساكين يستحقون العطف أحيانا بحرمانهم من ذلك النبع الفياض ، الذي يزخر بالنداوة والرحمة والقوة والثراء . نبع الإيمان باللّه ، والطمأنينة إليه ، والاحتماء بركنه ، واللجوء إليه في ساعات الكربة والضيق . وحرمانهم كذلك من المعرفة الحقيقية المتصلة بصميم النواميس الكونية وما وراءها من القوى والثروات . والمؤمنون الذين يملكون كنز الإيمان وذخره ، ويتمتعون برحمته وفيضه أولى بالمغفرة لما يبدو من أولئك المحرومين من نزوات وحماقات . هذا من جانب . ومن الجانب الآخر ، ليترك هؤلاء المؤمنون الأمر كله للّه يتولى جزاء المحسن على إحسانه ، والمسئ على إساءته . ويحسب لهم العفو والمغفرة عن المساءة في سجل الحسنات . ذلك فيما لا يظهر الفساد في الأرض ، ويعتدي على حدود اللّه وحرماته بطبيعة الحال :
« لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . ويعقب على هذا بفردية التبعة ، وعدالة الجزاء ، وتوكيد الرجوع إلى اللّه وحده في نهاية المطاف :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ »
. . بذلك يتسع صدر المؤمن ، ويرتفع شعوره ؛ ويحتمل المساءات الفردية والنزوات الحمقاء من المحجوبين المطموسين ، في غير ضعف ، وفي غير ضيق . فهو أكبر وأفسح وأقوى . وهو حامل مشعل الهدى للمحرومين من النور ، وحامل بلسم الشفاء للمحرومين من النبع ، وهو مجزي بعمله ، لا يصيبه من وزر المسئ شيء . والأمر للّه في النهاية ، وإليه المرجع والمآب .