تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3233

مساهمون:

ص٣٢٣٣
هذه هي المعجزة التي يريدون أن يشهدوها في آبائهم . ها هي ذي تقع أمام أعينهم . بعينها وبذاتها . واللّه هو الذي يحيي . ثم هو الذي يميت . فلا عجب إذن في أن يحيي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة ، ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر ، الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
. . ويعقب على هذه الحقيقة الماثلة بالأصل الكلي الذي ترجع إليه :
« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . فهو المهيمن على كل ما في الملك . وهو صانع كل شيء فيه . وهو القادر على الإنشاء والإعادة لكل ما فيه وكل من فيه . ثم يعرض عليهم مشهدا من هذا اليوم الذي يشكون فيه :
« وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ . وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً . كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا . الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ . إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . إنه يعجل لهم في الآية الأولى عاقبة المبطلين . فهم الخاسرون في هذا اليوم الذي يشكون فيه . ثم ننظر من خلال الكلمات فإذا ساحة العرض الهائلة ، وقد تجمعت فيها الأجيال الحاشدة التي عمرت هذا الكوكب في عمره الطويل القصير ! وقد جثوا على الركب متميزين أمة أمة . في ارتقاب الحساب المرهوب . . وهو مشهد مرهوب بزحامه الهائل يوم تتجمع الأجيال كلها في صعيد واحد . ومرهوب بهيئته والكل جاثون على الركب . ومرهوب بما وراءه من حساب . ومرهوب قبل كل شيء بالوقفة أمام الجبار القاهر ، والمنعم المتفضل ، الذي لم تشكر أنعمه ولم تعرف أفضاله من أكثر هؤلاء الواقفين ! ثم يقال للجموع الجاثية المتطلعة إلى كل لحظة بريق جاف ونفس مخنوق . يقال لها :
« الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ . إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . فيعلمون أن لا شيء سينسى أو يضيع ! وكيف وكل شيء مكتوب . وعلم اللّه لا يند عنه شيء ولا يغيب ؟ ! ثم تنقسم الحشود الحاشدة والأمم المختلفة ، على مدى الأجيال واختلاف الأجناس فريقين اثنين . فريقين اثنين يجمعان كل هذه الحشود : الذين آمنوا . والذين كفروا . فهاتان هما الرايتان الوحيدتان عند اللّه وهذان هما الحزبان : حزب اللّه . وحزب الشيطان . وما عدا هذا من الملل والنحل والأجناس والأمم فإليهما يعود :
« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ . ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ »
. . وقد استراحوا من طول الارتقاب ، ومن القلق والاضطراب . . والنص ينهي أمرهم في سرعة وفي بساطة ، ليلقي هذا الظل المستطاب . ثم نلقي بأبصارنا - من خلال الكلمات - إلى الفريق الآخر . فما ذا نحن واجدون ؟ إنه التأنيب الطويل ، والتشهير المخجل ، والتذكير بشر الأقوال والأعمال :
« وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ، فَاسْتَكْبَرْتُمْ ، وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ؟ وَإِذا قِيلَ : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها . قُلْتُمْ : ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ! إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا ، وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ »
! فالآن كيف ترون الحال ؟ ! وكيف تذوقون اليقين ؟ !
في ظلال القرآن — صفحة 3233 | سيد قطب