بعد ذلك يتحدث عن القيادة المؤمنة للبشرية ، وتركز هذه القيادة أخيرا في الرسالة الإسلامية ؛ فيشير إلى اختلاف بني إسرائيل في كتابهم ، بعد ما آتاهم اللّه الكتاب والحكم والنبوة . وانتهاء راية القيادة والحكم إلى صاحب الدعوة الأخيرة . هذا وهو بعد في مكة . والدعوة بعد مطاردة محاصرة . ولكن طبيعتها هي هي منذ نشأتها ، ومهمتها هي مهمتها :
« وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ، وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ . وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ ، فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً ، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ . هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ »
. .
كانت القيادة - قبل الإسلام - لبني إسرائيل . كانوا هم أصحاب عقيدة السماء التي اختارها اللّه لتلك الفترة من التاريخ . ولا بد للبشر من قيادة مستمدة من السماء . فالأرض قيادتها هوى أو جهل أو قصور . واللّه خالق البشر هو وحده الذي يشرع لهم شريعته مبرأة من الهوى فكلهم عباده ، مبرأة من الجهل والقصور فهو الذي خلقهم وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير .
« وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ »
. .
فكان فيهم التوراة شريعة اللّه . وكان فيهم الحكم لإقامة الشريعة . وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب . وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة نسبيا في التاريخ .
« وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ »
. .
فكانت مملكتهم ونبواتهم في الأرض المقدسة ، الطيبة ، الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات .
« وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ »
. .
وكان تفضيلهم على أهل زمانهم بطبيعة الحال ؛ وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة اللّه ؛ وإيتاءهم الكتاب والحكم والنبوة :
« وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ »
. .
فكان ما أوتوه من الشريعة بينا حاسما فاصلا ، لا غموض فيه ولا لبس ولا عوج ولا انحراف ؛ فلم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف في هذا الشرع البين كما وقع منهم ؛ وما كان هذا عن غموض في الأمر ، ولا كان عن جهل منهم بالصحيح من الحكم :
« فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ »
. .
إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم ، ونزاع وظلم ، مع معرفة الحق والصواب :
« بَغْياً بَيْنَهُمْ »
. .
وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض ، وبطل استخلافهم ، وأمرهم بعد ذلك إلى اللّه يوم القيامة :
« إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ »
. .
ثم كتب اللّه الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد ، يرد إلى شريعة اللّه استقامتها ، وإلى قيادة السماء نصاعتها ؛ ويحكم شريعة اللّه لا أهواء البشر في هذه القيادة :
« ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ، فَاتَّبِعْها ، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
. .