تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3201

مساهمون:

ص٣٢٠١
رجال الدين المحترفين في زماننا هذا . فهو طابع واحد مكرر . لهؤلاء الرسميين المحترفين من رجال الدين ، الذين يراهم الناس في كل حين ! ثم ذهب المسيح عليه السّلام إلى ربه ، فاختلف أتباعه من بعده . اختلفوا شيعا وأحزابا . بعضها يؤلهه . وبعضها ينسب للّه سبحانه بنوته . وبعضها يجعل اللّه ثالث ثلاثة أحدها المسيح ابن مريم . وضاعت كلمة التوحيد الخالصة التي جاء بها عيسى عليه السّلام . وضاعت دعوته الناس ليلجئوا إلى ربهم ويعبدوه مخلصين له الدين « 1 » .
« فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ »
. . ثم جاء مشركو العرب يحاجون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في عيسى - عليه السّلام - بما فعلته الأحزاب المختلفة من بعده ، وما أحدثته حوله من أساطير ! وحين يصل السياق إلى الحديث عن الظالمين - يدمج المختلفين من الأحزاب بعد عيسى - عليه السّلام - مع المحاجين لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بفعل هذه الأحزاب ؛ ويصور حالهم يوم القيامة في مشهد رائع طويل ، يحتوي كذلك صفحة المتقين المكرمين في جنات النعيم :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ؟ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ . « يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ . ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ . يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ ، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ، وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ . وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ . « إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ . لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ . وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ . وَنادَوْا : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ . قالَ : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ »
. . يبدأ المشهد بوقوع الساعة فجأة وهم غافلون عنها ، لا يشعرون بمقدمها :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
! هذه المفاجأة تحدث حدثا غريبا ، يقلب كل ما كانوا يألفونه في الحياة الدنيا :
« الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ »
. . وإن عداء الأخلاء لينبع من معين ودادهم . . لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر ، ويملي بعضهم لبعض في الضلال . فاليوم يتلاومون . واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر . واليوم ينقلبون إلى خصوم يتلاحون ، من حيث كانوا أخلاء يتناجون !
« إِلَّا الْمُتَّقِينَ »
. . فهؤلاء مودتهم باقية فقد كان اجتماعهم على الهدى ، وتناصحهم على الخير ، وعاقبتهم إلى النجاة . . وبينما الأخلاء يتلاحون ويختصمون ، يتجاوب الوجود كله بالنداء العلوي الكريم للمتقين :
« يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ . ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع هذا الخلاف بشيء من التفصيل في ص 2664 من الجزء العشرين من هذه الظلال في تفسير قوله تعالى :« إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ». .