تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3203

مساهمون:

ص٣٢٠٣
في طريق شهواتهم ، وهم أضعف من أن يغالبوا أهواءهم وشهواتهم ؛ ولكنهم أجرأ على الحق وعلى دعاته ! فمن ضعفهم تجاه الأهواء والشهوات يستمدون القوة على الحق والاجتراء على الدعاة ! لهذا يهددهم صاحب القوة والجبروت . العليم بما يسرون وما يمكرون :
« أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ؟ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ . أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ؟ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ »
. . فإصرارهم على الباطل في وجه الحق يقابله أمر اللّه الجازم وإرادته بتمكين هذا الحق وتثبيته . وتدبيرهم ومكرهم في الظلام يقابله علم اللّه بالسر والنجوى . والعاقبة معروفة حين يقف الخلق الضعاف القاصرون ، أمام الخالق العزيز العليم . ويتركهم بعد هذا التهديد المرهوب ، ويوجه رسوله الكريم ، إلى قول يقوله لهم . ثم يدعهم من بعده لمصيرهم الذي شهدوا صورته منذ قليل :
« قُلْ : إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ . سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ »
. . لقد كانوا يعبدون الملائكة بزعم أنهم بنات اللّه . ولو كان للّه ولد لكان أحق أحد بعبادته ، وبمعرفة ذلك ، نبي اللّه ورسوله ، فهو منه قريب ، وهو أسرع إلى طاعة اللّه وعبادته ، وتوقير ولده إن كان له ولد كما يزعمون ! ولكنه لا يعبد إلا اللّه . فهذا في ذاته دليل على أن ما يزعمونه من بنوة أحد للّه لا أصل له ، ولا سند ولا دليل ! تنزه اللّه وتعالى عن ذلك الزعم الغريب !
« سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . رَبِّ الْعَرْشِ . عَمَّا يَصِفُونَ »
. . وحين يتأمل الإنسان هذه السماوات والأرض ، ونظامها ، وتناسقها ، ومدى ما يكمن وراء هذا النظام من عظمة وعلو . ومن سيطرة واستعلاء . يشير إلى هذا كله قوله :
« رَبِّ الْعَرْشِ »
. . يصغر في نفسه كل وهم وكل زعم من ذلك القبيل . ويدرك بفطرته أن صانع هذا كله لا يستقيم في الفطرة أن يكون له شبه - أي شبه - بالخلق . الذين يلدون وينسلون ! ومن ثم يبدو مثل ذلك القول لهوا ولعبا ؛ وخوضا وتقحما ؛ لا يستحق شيء منه المناقشة والجدل ؛ إنما يستحق الإهمال أو التحذير :
« فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ »
. . والذي شهدوا صورة منه يوم يكون ! ثم يمضي - بعد الإعراض عنهم وإهمالهم - في تمجيد الخالق وتوحيده بما يليق بربوبيته للسماوات والأرض والعرش العظيم :
« وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ . وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
. . وهو تقرير الألوهية الواحدة في السماء وفي الأرض ، والتفرد بهذه الصفة لا يشاركه فيها مشارك . مع الحكمة فيما يفعل . والعلم المطلق بهذا الملك العريض .