تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3198

مساهمون:

ص٣١٩٨
يكابر في الحق ، ويعمد إلى شبهة في لفظ أو عبارة أو منفذ خلفي للحقيقة ! ومن ثم كان نهي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتشديده عن المراء ، الذي لا يقصد به وجه الحق ، إنما يراد به الغلبة من أي طريق . قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، عن عبادة بن عبادة ، عن جعفر ، عن القاسم ، عن أبي أمامة - رضي اللّه عنه - قال : إن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن . فغضب غضبا شديدا ، حتى كأنما صب على وجهه الخل . ثم قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض . فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل » . ثم تلا - صلّى اللّه عليه وسلّم -
« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ »
. . وهناك احتمال في تفسير قوله تعالى :
« وَقالُوا : أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ؟ »
يرشح له سياق الآيات في صدد أسطورتهم عن الملائكة . وهو أنهم عنوا أن عبادتهم للملائكة خير من عبادة النصارى لعيسى ابن مريم . بما أن الملائكة أقرب في طبيعتهم وأقرب نسبا - حسب اسطورتهم - من اللّه سبحانه وتعالى عما يصفون . ويكون التعقيب بقوله تعالى :
« ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ »
. . يعني الرد على ابن الزبعري كما سبق . كما يعني أن ضربهم المثل بعبادة النصارى للمسيح باطل . فعمل النصارى ليس حجة لأنه انحراف عن التوحيد . كانحرافهم هم . فلا مجال للمفاضلة بين انحراف وانحراف . فكله ضلال . وقد أشار إلى هذا الوجه بعض المفسرين أيضا . وهو قريب . ومن ثم جاء التعقيب بعد هذا :
« إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ »
. . فليس إلها يعبد كما انحرف فريق من النصارى فعبدوه . إنما هو عبد أنعم اللّه عليه . ولا جريرة له في عبادتهم إياه . فإنما أنعم اللّه عليه ليكون مثلا لبني إسرائيل ينظرون إليه ويتأسون به . فنسوا المثل ، وضلوا السبيل ! واستطرد إلى أسطورتهم حول الملائكة ، يبين لهم أن الملائكة خلق من خلق اللّه مثلهم . ولو شاء اللّه لجعل الملائكة يخلفونهم في هذه الأرض ، أو لحول بعض الناس إلى ملائكة يخلفونهم في الأرض :
« وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ »
. . فمرد الأمر إلى مشيئة اللّه في الخلق . وما يشاؤه من الخلق يكون . وليس أحد من خلقه يمت إليه بنسب ، ولا يتصل به - سبحانه - إلا صلة المخلوق بالخالق ، والعبد بالرب ، والعابد بالمعبود . ثم يعود إلى تقرير شيء عن عيسى عليه السّلام . يذكرهم بأمر الساعة التي يكذبون بها أو يشكون فيها :
« وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ . فَلا تَمْتَرُنَّ بِها . وَاتَّبِعُونِ . هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
. . وقد وردت أحاديث شتى عن نزول عيسى - عليه السّلام - إلى الأرض قبيل الساعة وهو ما تشير إليه الآية :
« وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ »
بمعنى أنه يعلم بقرب مجيئها ، والقراءة الثانية
« وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ »
بمعنى أمارة وعلامة . وكلاهما قريب من قريب . عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه مالك والشيخان وأبو داود