تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3199

مساهمون:

ص٣١٩٩
وعن جابر - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة . فينزل عيسى ابن مريم ، فيقول أميرهم : تعال : صل لنا . فيقول : لا . إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللّه تعالى لهذه الأمة » « 1 » . وهو غيب من الغيب الذي حدثنا عنه الصادق الأمين وأشار إليه القرآن الكريم ، ولا قول فيه لبشر إلا ما جاء من هذين المصدرين الثابتين إلى يوم الدين .
« فَلا تَمْتَرُنَّ بِها . وَاتَّبِعُونِ . هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ »
. . وكانوا يشكون في الساعة ، فالقرآن يدعوهم إلى اليقين . وكانوا يشردون عن الهدى ، والقرآن يدعوهم على لسان الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى اتباعه فإنه يسير بهم في الطريق المستقيم ، القاصد الواصل الذي لا يضل سالكوه . ويبين لهم أن انحرافهم وشرودهم أثر من اتباع الشيطان . والرسول أولى أن يتبعوه :
« وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ . إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
. . والقرآن لا يفتأ يذكر البشر بالمعركة الخالدة بينهم وبين الشيطان منذ أبيهم آدم ، ومنذ المعركة الأولى في الجنة . وأغفل الغافلين من يعلم أن له عدوا يقف له بالمرصاد ، عن عمد وقصد ، وسابق إنذار وإصرار ؛ ثم لا يأخذ حذره ؛ ثم يزيد فيصبح تابعا لهذا العدو الصريح ! وقد أقام الإسلام الإنسان في هذه المعركة الدائمة بينه وبين الشيطان طوال حياته على هذه الأرض ؛ ورصد له من الغنيمة إذا هو انتصر ما لا يخطر على قلب بشر ، ورصد له من الخسران إذا هو اندحر ما لا يخطر كذلك على قلب بشر . وبذلك حول طاقة القتال فيه إلى هذه المعركة الدائبة ؛ التي تجعل من الإنسان إنسانا ، وتجعل له طابعه الخاص بين أنواع الخلائق المتنوعة الطبائع والطباع ! والتي تجعل أكبر هدف للإنسان على الأرض أن ينتصر على عدوه الشيطان ؛ فينتصر على الشر والخبث والرجس ؛ ويثبت في الأرض قوائم الخير والنصح والطهر . وبعد هذه اللفتة يعود إلى بيان حقيقة عيسى - عليه السّلام - وحقيقة ما جاء به ؛ وكيف اختلف قومه من قبله ثم اختلفوا كذلك من بعده :
« وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ : قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ »
. . فعيسى جاء قومه بالبينات الواضحات سواء من الخوارق التي أجراها اللّه على يديه ، أو من الكلمات والتوجيهات إلى الطريق القويم . وقال لقومه :
« قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ »
. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وأمن الزلل والشطط أمنه للتفريط والتقصير ؛ واطمأن إلى خطواته في الطريق على اتزان وعلى نور . وجاء ليبين لهم بعض الذي يختلفون فيه . وقد اختلفوا في كثير من شريعة موسى - عليه السّلام - وانقسموا فرقا وشيعا . ودعاهم إلى تقوى اللّه وإلى طاعته فيما جاءهم به من عند اللّه . وجهر بكلمة التوحيد خالصة لا مواربة فيها ولا لبس ولا غموض :
« إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ »
. . ولم يقل : إنه إله ، ولم يقل : إنه ابن اللّه . ولم يشر من قريب أو بعيد
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم .
في ظلال القرآن — صفحة 3199 | سيد قطب