أي تسرون سرورا يشيع في أعطافكم وقسماتكم فيبدو عليكم الحبور .
ثم نشهد - بعين الخيال - فإذا صحاف من ذهب وأكواب يطاف بها عليهم . وإذا لهم في الجنة ما تشتهيه الأنفس . وفوق شهوة النفوس التذاذ العيون ، كمالا وجمالا في التكريم :
« يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ . وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ، وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ »
. .
ومع هذا النعيم . ما هو أكبر منه وأفضل . التكريم بالخطاب من العلي الكريم :
« وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ . وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ »
. .
فما بال المجرمين الذين تركناهم منذ هنيهة يتلاحون ويختصمون ؟
« إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ »
. .
وهو عذاب دائم ، وفي درجة شديدة عصيبة . لا يفتر لحظة ، ولا يبرد هنيهة . ولا تلوح لهم فيه بارقة من أمل في الخلاص ، ولا كوة من رجاء بعيد . فهم فيه يائسون قانطون :
« لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ »
. .
كذلك فعلوا بأنفسهم ، وأوردوها هذا المورد الموبق ، ظالمين غير مظلومين :
« وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ »
. .
ثم تتناوح في الجو صيحة من بعيد . صيحة تحمل كل معاني اليأس والكرب والضيق :
« وَنادَوْا : يا مالِكُ . لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ »
. .
إنها صيحة متناوحة من بعد سحيق . من هناك من وراء الأبواب الموصدة في الجحيم . إنها صيحة أولئك المجرمين الظالمين . إنهم لا يصيحون في طلب النجاة ولا في طلب الغوث . فهم مبلسون يائسون . إنما يصيحون في طلب الهلاك . الهلاك السريع الذي يريح . . وحسب المنايا أن يكن أمانيا ! . . وإن هذا النداء ليلقي ظلا كثيفا للكرب والضيق . وإننا لنكاد نرى من وراء صرخة الاستغاثة نفوسا أطار صوابها العذاب ، وأجساما تجاوز الألم بها حد الطاقة ، فانبعثت منها تلك الصيحة المريرة :
« يا مالِكُ . لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ »
! ولكن الجواب يجيء في تيئيس وتخذيل ، وبلا رعاية ولا اهتمام :
« قالَ : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ »
! فلا خلاص ولا رجاء ولا موت ولا قضاء . . إنكم ماكثون ! وفي ظل هذا المشهد الكامد المكروب يخاطب هؤلاء الكارهين للحق ، المعرضين عن الهدى ، الصائرين إلى هذا المصير ؛ ويعجب من أمرهم على رؤوس الأشهاد ، في أنسب جو للتحذير والتعجيب .
« لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ . أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً ؟ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ . أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ؟ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ »
. .
وكراهة الحق هي التي كانت تحول بينهم وبين اتباعه ، لا عدم إدراك أنه الحق ، ولا الشك في صدق الرسول الكريم ؛ فما عهدوا عليه كذبا قط على الناس ، فكيف يكذب على اللّه ويدعي عليه ما يدعيه ؟
والذين يحاربون الحق لا يجهلون في الغالب أنه الحق ، ولكنهم يكرهونه ، لأنه يصادم أهواءهم ، ويقف