يخاطب الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - :
« وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ »
. .
تلك هي الحقائق الكبرى واضحة بارزة ؛ فإن يكذبوك فلا عليك من التكذيب ، فلست بدعا من الرسل :
« فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ »
والأمر كله للّه ، وإليه ترجع الأمور ، وما التبليغ والتكذيب إلا وسائل وأسباب .
والعواقب متروكة للّه وحده ، يدبر أمرها كيف يريد .
ويهتف بالناس :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ . فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ . إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا . إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ »
. .
إن وعد اللّه حق . . إنه آت لا ريب فيه . إنه واقع لا يتخلف . إنه حق والحق لا بد أن يقع ، والحق لا يضيع ولا يبطل ولا يتبدد ولا يحيد . ولكن الحياة الدنيا تغر وتخدع .
« فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا »
. ولكن الشيطان يغر ويخدع فلا تمكنوه من أنفسكم
« وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ »
. . والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم
« فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا »
لا تركنوا إليه ، ولا تتخذوه ناصحا لكم ، ولا تتبعوا خطاه ، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل ! وهو لا يدعوكم إلى خير ، ولا ينتهي بكم إلى نجاة :
« إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ »
! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير ؟ ! إنها لمسة وجدانية صادقة . فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان ، فإنه يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات . يتحفز لدفع الغواية والإغراء ؛ ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه ، ويتوجس من كل هاجسة ، ويسرع ليعرضها على ميزان اللّه الذي أقامه له ليتبين ، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم ! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير . حالة التوفز والتحفز لدفع وسوسة الشيطان بالغواية ؛ كما يتوفز الإنسان ويتحفز لكل بادرة من عدوه وكل حركة خفية ! حالة التعبئة الشعورية ضد الشر ودواعيه ، وضد هواتفه المستسرة في النفس ، وأسبابه الظاهرة للعيان . حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظة ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبدا .
ثم يدعم هذه التعبئة وهذا الحذر وهذا التوفر ببيان عاقبة الكافرين الذين لبوا دعوة الشيطان ، وحالة المؤمنين الذين طاردوه :
« الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ »
. .
ويعقب على هذا بتصوير طبيعة الغواية ، وحقيقة عمل الشيطان ، والباب الذي يفتح فيجيء منه الشر كله ؛ ويمتد منه طريق الضلال الذي لا يرجع منه سالك متى أبعدت فيه خطاه :
« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً . . . ؟ »
. .
هذا هو مفتاح الشر كله . . أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسنا . أن يعجب بنفسه وبكل ما يصدر عنها . ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه ، لأنه واثق من أنه لا يخطئ ! متأكد أنه دائما على صواب ! معجب بكل ما يصدر منه ! مفتون بكل ما يتعلق بذاته . لا يخطر على باله أن يراجع