تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2923

مساهمون:

ص٢٩٢٣
بهما للآخرة رصيدا ضخما من النار ! والعلم الغزير . والعمر الطويل . والمقام الطيب . كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال . . مع الإمساك ومع الإرسال . . وقليل من المعرفة يثمر وينفع ، وقليل من العمر يبارك اللّه فيه . وزهيد من المتاع يجعل اللّه فيه السعادة . والجماعات كالآحاد . والأمم كالأفراد . في كل أمر وفي كل وضع ، وفي كل حال . . ولا يصعب القياس على هذه الأمثال ! ومن رحمة اللّه أن تحس برحمة اللّه ! فرحمة اللّه تضمك وتغمرك وتفيض عليك . ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة . ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة . وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة . والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها . وهو عذاب لا يصبه اللّه على مؤمن أبدا .
« إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ »
. ورحمة اللّه لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال . وجدها إبراهيم - عليه السّلام - في النار . ووجدها يوسف - عليه السّلام - في الجب كما وجدها في السجن . ووجدها يونس - عليه السّلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث . ووجدها موسى - عليه السّلام - في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة ، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه . ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور . فقال بعضهم لبعض :
« فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ »
. ووجدها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار . . ووجدها كل من آوى إليها يأسا من كل ما سواها . منقطعا عن كل شبهة في قوة ، وعن كل مظنة في رحمة ، قاصدا باب اللّه وحده دون الأبواب . ثم إنه متى فتح اللّه أبواب رحمته فلا ممسك لها . ومتى أمسكها فلا مرسل لها . ومن ثم فلا مخافة من أحد . ولا رجاء في أحد . ولا مخافة من شيء ، ولا رجاء في شيء . ولا خوف من فوت وسيلة ، ولا رجاء مع الوسيلة . إنما هي مشيئة اللّه . ما يفتح اللّه فلا ممسك . وما يمسك اللّه فلا مرسل . والأمر مباشرة إلى اللّه . .
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك . ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك .
« ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها »
. . وما بين الناس ورحمة اللّه إلا أن يطلبوها مباشرة منه ، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام .
« وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ »
. فلا رجاء في أحد من خلقه ، ولا خوف لأحد من خلقه . فما أحد بمرسل من رحمة اللّه ما أمسكه اللّه . أية طمأنينة ؟ وأي قرار ؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير ؟ ! آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة ؛ وتنشئ في الشعور قيما لهذه الحياة ثابتة ؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها . ذهبت أم جاءت . كبرت أم صغرت . جلت أم هانت . كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء ! صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات . ولو تضافر عليها الإنس والجن . وهم لا يفتحون رحمة اللّه حين يمسكها ، ولا يمسكونها حين