ونعمة اللّه على الناس لا تتطلب إلا مجرد الذكر ؛ فإذا هي واضحة بينة ، يرونها ويحسونها ويلمسونها ، ولكنهم ينسون فلا يذكرون .
وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم ، وتفيضان عليهم بالرزق ؛ وفي كل خطوة ، وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات اللّه ونعمه من السماء والأرض . يفيضها الخالق على خلقه . فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم ؟ إنهم لا يملكون أن يقولوا هذا ، وما كانوا يدعونه وهم في أغلظ شركهم وأضله . فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير اللّه ، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون ؟ وما لهم ينصرفون عن حمد اللّه والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال ؟ إنه
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه . .
« فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. . وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق ، الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق . وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد اللّه وشكره من لا يجد مفرا من الاعتراف بذلك الحق المبين ! هذه الإيقاعات الثلاثة القوية العميقة هي المقطع الأول في السورة . وفي كل منها صورة تخلق الإنسان خلقا جديدا حين تستقر في ضميره على حقيقتها العميقة . وهي في مجموعها متكاملة متناسقة في شتى الاتجاهات . .
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 4 إلى 8 ]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 4 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 8 )
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة ، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة : حقيقة وحدانية الخالق المبدع . وحقيقة الاختصاص بالرحمة . وحقيقة الانفراد بالرزق .
وفي المقطع الثاني يتجه أولا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له ، ويرجع الأمر كله إلى اللّه . ويتجه ثانيا إلى الناس يهتف بهم : إن وعد اللّه حق ، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى ، ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل ! ويتجه أخيرا إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد اللّه . واللّه عليم بما يصنعون .