يفتحها . .
« وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .
وهكذا أنشأ القرآن بمثل هذه الآية وهذه الصورة تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام . الفئة التي صنعت على عين اللّه بقرآنه هذا لتكون أداة من أدوات القدرة ، تنشئ في الأرض ما شاء اللّه أن ينشئ من عقيدة وتصور ، وقيم وموازين ، ونظم وأوضاع . وتقر في الأرض ما شاء اللّه أن يقر من نماذج الحياة الواقعة التي تبدو لنا اليوم كالأساطير والأحلام . الفئة التي كانت قدرا من قدر اللّه يسلطه على من يشاء في الأرض فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء اللّه من محو ومن إثبات . ذلك أنها لم تكن تتعامل مع ألفاظ هذا القرآن ، ولا مع المعاني الجميلة التي تصورها . . وكفى . . ولكنها كانت تتعامل مع الحقيقة التي تمثلها آيات القرآن ، وتعيش في واقعها بها ، ولها . .
وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس ، قادرا على أن ينشئ بآياته تلك أفرادا وفئات تمحو وتثبت في الأرض - بإذن اللّه - ما يشاء اللّه . . ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب ، فتأخذها جدا ، وتتمثلها حقا . حقا تحسه ، كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار . .
ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد للّه على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية . .
لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة . واجهتني في لحظة جفاف روحي ، وشقاء نفسي ، وضيق بضائقة ، وعسر من مشقة . . واجهتني في ذات اللحظة . ويسر اللّه لي أن أطلع منها على حقيقتها . وأن تسكب حقيقتها في روحي ؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني . حقيقة أذوقها لا معنى أدركه . فكانت رحمة بذاتها . تقدم نفسها لي تفسيرا واقعيا لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا . وقد قرأتها من قبل كثيرا . ومررت بها من قبل كثيرا . ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها ، وتنزل بحقيقتها المجردة ، وتقول : ها أنا ذا . . نموذجا من رحمة اللّه حين يفتحها . فانظر كيف تكون ! إنه لم يتغير شيء مما حولي . ولكن لقد تغير كل شيء في حسي ! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود ، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية . نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها ؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها ، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة . وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها . وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي . وها أنا ذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق . وأنا في مكاني ! إنها رحمة اللّه يفتح اللّه بابها ويسكب فيضها في آية من آياته . آية من القرآن تفتح كوة من النور . وتفجر ينبوعا من الرحمة . وتشق طريقا ممهودا إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين وفي نبضة قلب وفي خفقة جنان . اللهم حمدا لك . اللهم منزل هذا القرآن . هدى ورحمة للمؤمنين . . .
ونعود بعد تسجيل هذه الومضة إلى سياق السورة . . فنجده يؤكد في الآية الثالثة إيحاء الآيتين الأولى والثانية ؛ فيذكر الناس بنعمة اللّه عليهم ؛ وهو وحده الخالق وهو وحده الرازق . الذي لا إله إلا هو ؛ ويعجب كيف يصرفون عن هذا الحق الواضح المبين :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ . هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؟ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. .