تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2927

مساهمون:

ص٢٩٢٧
نفسه في شيء ، ولا أن يحاسبها على أمر . وبطبيعة الحال لا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه . لأنه حسن في عين نفسه . مزين لنفسه وحسه . لا مجال فيه للنقد ، ولا موضع فيه للنقصان ! هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان ؛ وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال . فإلى البوار ! إن الذي يكتب اللّه له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب . فلا يأمن مكر اللّه . ولا يأمن تقلب القلب . ولا يأمن الخطأ والزلل . ولا يأمن النقص والعجز . فهو دائم التفتيش في عمله . دائم الحساب لنفسه . دائم الحذر من الشيطان . دائم التطلع لعون اللّه . وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال ، وبين الفلاح والبوار . إنها حقيقة نفسية دقيقة عميقة يصورها القرآن في ألفاظ معدودة :
« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً »
. . إنه نموذج الضال الهالك البائر الصائر إلى شر مصير . ومفتاح هذا كله هو هذا التزيين . هو هذا الغرور . هو هذا الستار الذي يعمي قلبه وعينه فلا يرى مخاطر الطريق . ولا يحسن عملا لأنه مطمئن إلى حسن عمله وهو سوء . ولا يصلح خطأ لأنه واثق أنه لا يخطئ ! ولا يصلح فاسدا لأنه مستيقن أنه لا يفسد ! ولا يقف عند حد لأنه يحسب أن كل خطوة من خطواته إصلاح ! إنه باب الشر . ونافذة السوء . ومفتاح الضلال الأخير . . ويدع السؤال بلا جواب . .
« أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ؟ »
. . ليشمل كل جواب . كأن يقال : أفهذا يرجى له صلاح ومتاب ؟ أفهذا كمن يحاسب نفسه ويراقب اللّه ؟ أفهذا يستوي مع المتواضعين الأتقياء ؟ . . إلى آخر صور الإجابة على مثل هذا السؤال . وهو أسلوب كثير التردد في القرآن . وتجيب الآية بأحد هذه الأجوبة من بعيد :
« فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
. . وكأنما يقول : إن مثل هذا قد كتب اللّه عليه الضلالة ؛ مستحقا لها بما زين له الشيطان من سوء عمله ؛ وبما فتح عليه هذا الباب الذي لا يعود منه ضال ! فإن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ؛ بما تقتضيه طبيعة الضلال في ذلك وطبيعة الهدى في هذا . طبيعة الضلال برؤية العمل حسنا وهو سوء . وطبيعة الهدى بالتفتيش والحذر والمحاسبة والتقوى . . وهو مفرق الطريق الحاسم بين الهدى والضلال . وما دام الأمر كذلك
« فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ »
. . إن هذا الشأن . شأن الهدى والضلال . ليس من أمر بشر . ولو كان هو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إنما هو من أمر اللّه . والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن . وهو مقلب القلوب والأبصار . . واللّه - سبحانه - يعزي رسوله ويسليه بتقرير هذه الحقيقة له . حتى يستقر قلبه الكبير الرحيم المشفق على قومه مما يراه من ضلالهم ، ومصيرهم المحتوم بعد هذا الضلال . وحتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم ، ومن رؤية الحق الذي جاء به معروفا بينهم ! وهو حرص بشري معروف . يرفق اللّه سبحانه برسوله من وقعه في حسه ، فيبين له أن هذا ليس من أمره ، إنما هو من أمر اللّه . وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم ، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير . ورأوا الناس